الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

الجمعة 18 اغسطس/اب 2017، العدد: 10726

سقراط والآي كلاود

أهلا بهذه الحقبة الجديدة التي لمّح إليها الفريق الغنائي الشهير بينك فلويد في أكثر من أغنية، لا سيما أغنيته 'أهلا بكم في الآلة'.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/11/11، العدد: 10452، ص(17)]

في جلسة مع مجموعة من الأصدقاء دار الحديث عن التقنيات الحديثة للحفاظ على المعلومات والصور من ضرر الزمن لأطول فترة ممكنة.

لفت نظري أن في كل مرة كان يُذكر “الآي كلاود”، وكان يأتي على ذكره كثيرا، كان يرافق ذلك تصويبة أصابع نحو السماء مقرونة أحيانا كثيرة بنظرة عمودية إلى الأعلى، حيث مفترض أن يكون سكن “الآي كلاود”، أي السحابة الاستثنائية في غبطة بياضها الأثيري.

تكلم الأصحاب مطولا عن كيفية تحميل الملفات افتراضيا ونقلها وحفظها، وتعديلها وتشغيلها على خوادم عملاقة في بلدان محددة حول العالم، وأنه يمكننا الوصول إليها من أي مكان مُستخدمين لأجل ذلك حسابنا الخاص. بناء على كلامهم، يمكن لأي كائن، فضائيا كان أم إنسانيا، أن يستخدم المعلومات الموجودة في هذه الملفات إذا تمكن من الوصول إلى “خصوصيتها”، حينها سيحلو له أن يختار ما يشاء منها، وأن يرسلها إلى حيث يشاء ويستخدمها كيفما شاء لحاجاته الشخصية.

وأنا في عزّ تصوري لشكل تلك “الماكينات” التكنولوجية، تواصلت إشارات الأصابع نحو السماء حتى وجدت نفسي أنحرف منفردة عن مسار الحديث أكثر فأكثر ليقتصر اهتمامي عليها، أي على تلك الإشارات التي أحببت أن أسميها بالإشارات “القبلية المعاصرة” نحو السماء، حيث لا وجود للغيمة المقصودة.

بدا لي حينها أن تشبيه هذه الخدمة التكنولوجية بالغيمة وتصميمها بشكل غيمة صيفية مسالمة أمر مثير لخيال لا يخلو من السوداوية، إذ أعادتني إلى المسيرة التاريخية لهذه الإشارات.

إشارات أقل ما يمكن القول عنها أنها دليل صارخ على تحول المجتمعات الإنسانية من مجتمعات دينية فروحانية، ومن ثم إلى مجتمعات صناعية إلى مجتمعات تأن بأحق وأخطر الأسئلة الوجودية والسياسية.

ذكرتني هذه الإشارات بعدد لا يحصى من أعظم اللوحات الفنية تاريخيا والتي من ضمن ما مثلت، مثلت السيد المسيح عليه السلام وهو يشير إلى السماء، ومثلت القديس يوحنا المعمدان في أروع لوحة للفنان ليوناردو دافينشي، وأيضا أذكر في هذا السياق أروع عمل للفنان ميكاييل أنج على الإطلاق ويحمل اسم “الخَلق”، كلها أعمال تشير إلى المقدس، إلى أثيريته، إلى سلطته وإلى عدل حكمه.

ما لبثت هذه الأعمال أن أخذتني إلى لوحة لاحقة زمنيا وفكريا للفنان جاك لوي دافييد بعنوان “موت سقراط”، لوحة كان لها أثر كبير في تذكية نشوء الثورة الفرنسية التي عبرت عن السعي المستميت لكشف الحقائق وإرساء العدل.

يبدو سقراط، المتهم بإفساد الناشئة، مُحاطا بتلاميذه وهو يشير بأصبعه إلى الأعلى الذي يجسد بالنسبة إليه سلطة العقل والتفكر في الأمور، لوحة رصدت لحظاته الأخيرة قبل أن يختار تجرع السم على أن ينفي فلسفته القائمة على البحث المتواصل عن الحقيقة بعيدا عن المُسلمات.

أما ما أحب أن أعتبره ممثلا لتحولنا إلى الزمن المعاصر، فقد تجسد في لوحة حيّة، وهي تجمعنا في ذلك المقهى وأصابع الأصحاب المشيرة إلى السماء، حيث السحابة الغامضة والحاضنة والمُفعلة لهول معلومات رصدت وترصد تراكميا تاريخ البشرية كلها بأدق تفاصيلها.

لعل أروع ما كتب عن هذا الزمن الذي نعيش فيه موجود بين أوراق الفيلسوف الإيطالي المعاصر ماريو كوستا الذي قامت دراساته على مبدأ أثر التكنولوجيا في الفن وعلى علوم الجمال بشكل عام.

اعتبر الفيلسوف أنه من غير الممكن فهم ما يمكن اعتباره “أثيريا” إلاّ من خلال تفحص التطورات التكنولوجية المتصلة بالفنون أي “ميديا الاتصالات والفنون الرقمية”.

بالنسبة إلى الفيلسوف، خلقت التقنيات الجديدة -يمكن اعتبار الآي كلاود واحدة منها- أرضا خصبة لولادة أثيرية جديدة منزهة كليا عن الشوائب وهي “الأثيرية التكنولوجية” التي يُشار إليها اليوم بالأصابع إلى الأعلى “التجريدي” الشاهق.

أهلا بهذه الحقبة الجديدة التي لمّح إليها الفريق الغنائي الشهير بينك فلويد في أكثر من أغنية، لا سيما أغنيته “أهلا بكم في الآلة”، وتقول بعض كلمات الأغنية “بماذا حلمت؟ لا بأس عليك، نحن نقول لك بماذا حلمت.. أهلا بك في الآلة”.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر