الخميس 30 مارس/اذار 2017، العدد: 10587

الخميس 30 مارس/اذار 2017، العدد: 10587

النهضة و'الشعبوية' الزاحفة على واشنطن وباريس

عجز العقل العربي عن استقراء نهايات المشهد الانتخابي في أميركا دفعه إلى استدرار قراءات سببية خاطئة، فإذا به يعالج 'خطأ الاستشراف بخطيئة التفسير' في دلالة عميقة عن الفراغ السحيق في مأسسة التفكير المستقبلي.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/11/12، العدد: 10453، ص(9)]

أربع مقدمات أساسية لفهم الحدث الانتخابي الأميركي، أولاها؛ أنّ التغيير السياسي في أميركا يكون عبر المؤسسات ومن خلال منظومة استصدار القرار السيادي انطلاقا من ثلاثية “الأمن والمصالح والتمدد الاستراتيجي”، وليس منوطا بأي حال من الأحوال بالشخصيات الرئاسية العابرة سواء من الديمقراطيين أو الجمهوريين.

ثانية المقدمات؛ أنّ كافة الحملات الدعائية من إعلام وسبر آراء وتجنيد خطابي، لا تنجح في ظلّ خطابات شعبوية تداعب الغرائز الانتخابية، وتعيد إلى السطح التناقضات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية العميقة في الولايات المتحدة.

ثالثتها؛ لا يوجد في أميركا حزبان بل حزب واحد، وجهه الأول ديمقراطي ووجهه الثاني جمهوري، والطرفان متقاطعان في معظم الملفات المحلية والأجنبية، ومتوافقان على نقاط الافتراق المسموح بها أميركيا.

والمقدمة الرابعة؛ أنّ المشهد الأميركي يتنزّل صلب سياق “ثقافي سياسي” محليّ وعالمي، فالداخل يؤثر على الخارج والعكس صحيح، وأيّ تركيز على زاوية دون أخرى تضع التحليل في خانة الهامش التفسيري.

عجز العقل العربي عن استقراء نهايات المشهد الانتخابي في أميركا دفعه إلى استدرار قراءات سببية خاطئة، فإذا به يعالج “خطأ الاستشراف بخطيئة التفسير” في دلالة عميقة عن الفراغ السحيق في مأسسة التفكير المستقبلي.

كانت إرهاصات اكتساح أقصى اليمين لليمين ولكافة الخارطة السياسية في معظم دول العالم، منطلقة من بريطانيا التي تمكنت خلالها الماكينة الانتخابية للثنائية المتوأمة “الشعبوية السياسية والتطرف الهوياتي” من إخراج لندن من النادي الأوروبي. ولم تكن بريطانيا بدورها خارجة عن السياق الهوياتي المتطرف، حيث أنها كانت استتباعا لفرنسا التي نجح أقصى اليمين فيها بقيادة مارين لوبان، لا فقط من اكتساح المجالس النيابية المحلية خلال الجولة الأولى من انتخابات 2015، بل وتصدّر النتائج في الانتخابات البرلمانية الأوروبية.

ذات المواضيع الاجتماعية والسياسية تستحضرها المدونة الخطابية لليمين الشعبوي بين فرنسا وبريطانيا وأميركا، حيث تحضر مسائل الهجرة والأمن والمشاكل الاقتصادية للطبقة الوسطى، والسيادة الوطنية، والحدود الجغرافية والإثنية للدول.

يمثّل اليمين الشعبوي واحدا من أخطر الظواهر السياسية المعيشة، لا فقط لأنه يشكّل الانقلاب الحقيقي على اليمين الجمهوري والديمقراطي بمفهومه القائم على المواطنة المفتوحة، وإنما أيضا لأنه يجسّد انتكاسة كاملة على مبادئ التعايش المشترك وحقوق الأقليات المهاجرة والوافدة، وبناء لسردية هوياتية جديدة مبنية على الأحادية الثقافية.

والحقيقة التي لا بدّ من مواجهتها أنّ المشهديات السياسية القادمة لن تكون بين يمين ويسار، بل ستكون بين التيارات “الديمقراطية الجمهورية” في مقابل “الشعبوية المتطرفة”، بشكل سيصبح فيه التخوّف من مصير المؤسسات الديمقراطية التاريخية أمرا محيّرا في ظلّ اكتساح مقولات التقوقع والانغلاق وإحياء الهويات القلقة والمتوحشة للدولة الديمقراطية.

ديباجات هذا التقسيم الجديد بين “الشعبوية المتعصبة” و”الديمقراطية الجمهورية” ظهرت في الحملة الانتخابية الأميركية حيث انضوى الكثير من الجمهوريين في صف هيلاري كلينتون، وهو تقريبا نفس الأمر الذي حصل في الجولة الثانية من الانتخابات المحلية الفرنسية، حيث تحالف ولأول مرة الاتحاد من أجل الجمهورية مع الحزب الاشتراكي لخلق التوازن ضدّ الجبهة الوطنية الفرنسية، والمشهد ذاته وقع في بريطانيا عندما انحاز جزء واسع من المحافظين إلى العمّال نصرة للبقاء في الاتحاد الأوروبي.

الاستحقاق السياسي اليوم هو تحويل هذه التحالفات بين اليمين الديمقراطي واليسار المؤمن بقيم الجمهورية إلى منظومات سياسية وفكرية مشتركة، الغاية منها لا فقط الوقوف في وجه الشعبوية، ولكن أيضا مسايرة الواقع ومحايثة الآني، لا سيما وأن المقولات الاقتصادية تقاطعت في حتمية الاقتصاد التضامني، والأفكار السياسية أجمعت حول براديغم الديمقراطية التشاركية والتعددية المدنية.

على الأحزاب التونسية التي هنأت ترامب بوصوله إلى سدّة الحكم من منطلق أنه بات يمثل الدولة الأميركية ومصالحها في العالم، ألا تنسى لحظة أنّ ترامب ليس رئيسا بقدر ما هو مسار سياسي تاريخي سيفرّخ نسخا شبيهة له في الدول الأوروبية، ولا سيما منها تلك الموجودة على ضفتنا الشمالية.

أشباه ترامب كثيرون جدا، موجودون في إيطاليا وهولندا وألمانيا، وتركيا التي قد يمثّل رئيسها رجب طيب أردوغان نموذجا لآليات تحوّل اليمين المحافظ الديمقراطي إلى يمين شعبوي متطرّف واستبدادي أيضا.

على النهضة أن لا تتجاهل أنّ النسخة الفرنسية من ترامب ممثلة في مارين لوبان التي تستعد لدخول السباق الانتخابي الرئاسي الفرنسي بقوة، وقد تحدث في أبريل القادم ذات المفاجأة التي استبعدها الإعلاميون والمحللون في أميركا، حينها يكون الواقفون على أعتاب السفارة الأميركية في تونس للتهنئة قد أخطأوا مرتين؛ واحدة في إضاعة مسار التاريخ السياسي، وثانية في “التخلي” المعنوي عن جاليات محلية في الخارج، ستكون ضحية للشعبوية الزاحفة من واشنطن إلى باريس.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر