الاثنين 1 مايو/ايار 2017، العدد: 10619

الاثنين 1 مايو/ايار 2017، العدد: 10619

دونالد ترامب وعبدالفتاح السيسي

المبالغة في الجشع والمكر قد تؤدي إلى نتائج غير محسوبة. القلق العالمي الذي خلقه الإرهاب ومشاكل الهجرة والتآمر السياسي، كل ذلك تراكم وأدى إلى صعود رئيس أميركي عنصري وغاضب مثل دونالد ترامب.

العرب أسعد البصري [نُشر في 2016/11/13، العدد: 10454، ص(6)]

الولايات المتحدة مقبلة على مشكلة داخلية، من غير المعقول أن ترامب لن ينفّذ شيئا مما قال. لقد حرّض على العنصرية داخل بلاده، المهاجرون المكسيك والسود واليهود والمسلمون في قلق. الشرق الأوسط ينتظر الكثير، فهناك فلاديمير بوتين.

سيكون البيت الأبيض بين خيارين، إمّا أن يصدّر الأزمة الداخلية إلى الخارج، أو يصدّر الأزمة الخارجية إلى الداخل. نحن أمام رئيس فاز باسم الكراهية والعنصرية. أميركا بالغت في كونها بلدا لكل الثقافات. الريف والعامل والعاطل الأبيض يرى أنه في منافسة شرسة مع غرباء. هذا تناقض بنيوي، وستكون هناك مشاكل بكل تأكيد.

داعش ساهم في صعود ترامب، فقد حرّض العالم على الكراهية. إن الحديث عن داعش نشر الخوف وأصاب العالم بالهلع. انظروا إلى المطارات حول العالم، صرنا ننزعج من السفر بسبب ما نرى ونشاهد من خوف عالمي. منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001 وأميركا تعاني نفسيا. كل تلك الأفلام عن بطولة رامبو والكاوبوي والسوبرمان اليانكي الأميركي، المبالغات حول الأميركي قاهر العالم انهارت مع برجي التجارة في نيويورك.

صدمة كبيرة سببها أسامة بن لادن. لقد لاحقوه في كل مكان حتى قتلوه، وبقيت أسطورته الرهيبة رغم إلقاء جثته إلى سمك القرش بأعماق المحيط. الأميركي الأبيض لم يشف ولم يفهم كيف أن مليارديرا سعوديا يفعل بهم ذلك؟ كيف يفعل بنفسه ذلك؟ كيف أن 19 مسلما يقومون بمغامرة لا مثيل لها في التاريخ ؟ كيف أن 15 من هؤلاء الخاطفين سعوديون؟ الدولة الصديقة التي تحالفوا معها لقرن كامل ودافعوا عنها في حرب الخليج 1991، كيف أن حفنة من مواطنيها الميسورين فعلوا بها أمرا لم يفعله الياباني ولا الروسي ولا اللاتيني ولا الأسود؟

مَن يكون هؤلاء المسلمون؟ ما هذا الدين؟ ماذا يقول محمد؟ ما هي تعاليم الشيخ ابن عبدالوهاب؟ لقد صدموا أميركا في الصميم. ضربوها في كبريائها. إن الحادي عشر من سبتمبر صدمة حطمت الشعور الأميركي الجميل بالتفوق. تلك المتعة بأفلام المغامرات الهوليودية ذهبت إلى الأبد.

ثم ظهر داعش والبغدادي والانتحاريون. لا يستطيع الأميركي النزول على الأرض، إنّ ضربهم بالطائرات الحديثة لا يرضي الشعب الأميركي. يريدون النزول الشجاع على الأرض وذبحهم بالسكاكين، يريدون أن يروا شجاعة الأميركي الحقيقية. تلك النشوة الغامضة التي تبعثها المبارزة.

الإعلام يحدثهم عن داعش ليل نهار، إصدارات داعش الانتحارية والخوف والصدمة تصاعدت في أوربا وأميركا إلى درجة انتشار التطرّف والعنصرية والكراهية. إن فكرة داعش مؤذية لمشاعر المسلم نفسه، فكيف هي على الأبيض الأميركي؟ الأمر الذي أثار ذكريات الحرب الأهلية الأميركية، مشكلة السود والأجانب. داعش تخريب للعالم حقا.

إن تدخل فلاديمير بوتين يعتبر إنقاذا لأميركا، فروسيا غير مصابة بعقدة الحادي عشر من سبتمبر. لقد بالغت أميركا في احتقار القيم والبشر. إن رسالتها لم تعد واضحة في التاريخ، وأكبر دليل على ذلك هو أن حلفاءها ما عادوا يفهمونها وتصدعت التحالفات التاريخية السياسية.

تحالف أردوغان مع روسيا مؤخرا رغم أن تركيا عضو في حلف الناتو، وجنوح الرئيس السيسي إلى الأسد والشيعة. الأشياء بدأت تكشف عن استحالة قيام إمبراطورية بمفردها، لا بد من شركاء في إدارة هذا العالم، لا يمكن إيقاف التاريخ.

هناك 40 مليون أسود في أميركا، عدد كبير منهم قلق من صعود ترامب، فهو يمثل رغبة الرجل الأبيض المخيف وغضبه في بلد يبيح الاتجار بالأسلحة. يبدو أن الرجل الأبيض لم يكن سعيدا برؤية مهاجر أسود يحصل على تعليم أميركي رفيع ويصبح رئيسا للولايات المتحدة كما حدث مع باراك أوباما.

اللعبة عندكم الآن

ما معنى قول ترامب سنعيد أميركا عظيمة مرة أخرى؟ هذا شعار لو تفحّصناه لظهر معناه العنصري. أي أن أميركا قد غاصت في الانحطاط إلى درجة أن يحكمها رئيس أفريقي. هل نستبعد حدوث أعمال شغب، أو احتجاجات للسود خصوصا، ممكن جدا لأعمال العنف أن تتصاعد.

في السياسة الخارجية الشرق الأوسط مثلا، أعتقد أن ترامب سيتفاهم مع روسيا فهو يتفق مع رجل كعبدالفتاح السيسي لهذا كان أول اتصال تلقاه بعد فوزه بالرئاسة من الرئيس المصري. دونالد رجل أعمال، يريد رجالا للقيام بمهمات معينة كمكافحة الإرهاب مثلا.

بالنسبة إلى إيران الأمر مختلف. إيران تحظى بعناية من روسيا والصين. الرئيس الروسي وصف السياسة الإيرانية بالدهاء، ويقول إن الإيرانيين قد حوّلوا السياسة إلى فن، والشعب الفارسي له تاريخ وثقافة عظيمة. وقال صراحة إنه يمكن أن يتوسط في حال سوء تفاهم مع أميركا، لكنه أبدا لن يسمح بضرب إيران. وقال الخلاف حول المفاعلات النووية هو خلاف حول مفاعلات نحن بنيناها بأيدينا لإيران.

بالنسبة إلى السعودية الأمر غير مفهوم، على المملكة تغيير شيء ما في إعلامها لتوضيح وجهة نظرها أكثر. إن انتشار داعش ضرب الإسلام كله في الصميم، خصوصا الإسلام السنّي، وخصوصا الإسلام السلفي، وخصوصا الوهابية. السعودية في موقف صعب فالبلاد تريد التقدم إلى الأمام ولكن تاريخها يجرها أحيانا إلى الخلف.

إيران لا تعطي السعودية فرصة للخروج نحو الحداثة، لدى طهران ثأر وتنافس مع السعودية. حاليا الوضع متأزم بين البلدين، لاحظنا ذلك من منع الحجيج الإيرانيين هذا العام، ومن اللغة التي استخدمها المرشد الأعلى، الهجومات الخطابية لحسن نصرالله.

تود إيران الخروج من الحصار المضروب عليها، فلا يمكن حصار إيران إلى الأبد، وروسيا والصين تجدان الحرب التي تشنها دول الغاز الطبيعي على سوريا هي حرب للسيطرة على الطاقة والمضايق والممرات البحرية. الصين مثلا تحتاج ممرات مائية للتسويق، وروسيا لن تسمح بعزلها عن أوروبا بأنبوب غاز عبر تركيا والمتوسط. هذا سيكون تمهيدا لحصار روسيا وعزل الصين.

لقد زرعت طهران نفسها في مصالح روسيا والصين باسم الشيعة والإسلام الشيعي. العراق وضعه محسوم فهو مكبّل باتفاقيات مع أميركا. الحكومة العراقية حليف أميركي لكن الشيعة قلوبهم مع المشروع الروسي والإيراني لأنهم لا يثقون بأميركا كثيرا، فهي حليف قديم لخصومهم، لهذا فإن العراق هو ممرّ الحوار الروسي الأميركي في المنطقة، والعراق هو رئة إيران الاقتصادية حاليا.

لهذا ترى السنّة يقاومون، هناك حرب في العراق وسوريا واليمن. لا يمكن ترك الشيعة ينجحون في مشروعهم. أميركا قد تعطي فرصة لتأخير المشروع الإيراني الروسي، ولكن أيضا هناك سقف زمني ومشكلة الإرهاب والمهاجرين ومسألة استقرار العالم.

لم ينجح السنّة في إسقاط بشار الأسد، ولهذا ستتم (لفلفة) الميليشيات المسلحة السنية. لا توجد حاجة ولا رغبة بهم، فإضافة لكونهم فشلوا في تحقيق الغاية منهم بعد تدخل الجيش الروسي، فإنهم يشكلون خطرا باجتماع التطرّف والسلاح فيهم.

هل المستقبل لإيران؟ هل المستقبل لتركيا؟ الوضع معقد حقا. اللاعب التركي نجح في جرّ السعودية إلى جانبه في الصراع الإقليمي، بينما توترت العلاقات بين السعودية ومصر، فالمصريون يَرَوْن أن إيران وبشار الأسد أقلّ خطرا من تركيا والإخوان المسلمين والإرهاب، وهنا أمام الرئيس الجديد عدة حلول لن نعرفها حتى بداية العام القادم حيث يؤدي الرئيس دونالد ترامب القسم في 20 يناير.

الخلاف بين مصر والسعودية حقيقي وليس عرضيا كما يشاع. السيسي أنفق عشرات المليارات من الدولارات لتوسعة قناة السويس، وهو مشروع عملاق حقا يهدف إلى عودة الخطوط التجارية القديمة، وإنعاش مكانة مصر الاقتصادية مستقبلا.

مصر تريد رفع المردود السنوي للبلاد من الطريق التجاري البحري عبر البحر الأحمر وباب المندب. الخلاف هو أن العمليات العسكرية في اليمن قد طالت والخسائر المصرية بالمليارات، لأن الطريق غير آمن ويقع في منطقة حرب.

السيسي يرى أن كلاّ من ليبيا وسوريا قد تحوّلتا إلى دولتين فاشلتين ومصدر خطر على الأمن المصري، ويخشى انهيار الوضع في اليمن أيضا إلى درجة تهدد الممرات البحرية، خصوصا وأن الحوثيين قد بدأوا يطلقون الصواريخ على السفن.

يلمّح السيسي باستقبال بشار الأسد وبطلب البترول من إيران، إنه يريد من وراء ذلك وقف العمليات العسكرية في اليمن، والتوقف عن دعم الإخوان المسلمين في سوريا، وبقاء النظام السوري لضمان وحدة سوريا. مصر ترى بأن الدماغ المصري لا يستوعب الصراع ضد الإرهاب السنّي وضد إيران في وقت واحد.

خلال أيام قليلة سمعنا أن كلاّ من العميد عادل رجائي، قائد الفرقة التاسعة مدرعات، والمقدم رامي حسنين قائد كتيبة الصاعقة بشمال سيناء، والعميد هشام أبو العزم من قوات شمال سيناء، قد لقوا حتفهم على أيدي إرهابيين. مصر في حالة حرب حقيقية.

الرئيس السيسي كان واضحا منذ البداية، فقد بدأ عهده بالراقصة المصرية شاهيناز ترقص نصف عارية على نشيد الدواعش “صليل الصوارم” ساخرة بجسدها الجميل من الحور العين، وفي تلك الفترة تم منح شهادة تقدير للراقصة المصرية الشهيرة فيفي عبده.

الخلاف بين مصر والسعودية حقيقي وليس عرضيا كما يشاع. السيسي أنفق عشرات المليارات من الدولارات لتوسعة قناة السويس، وهو مشروع عملاق حقا يهدف إلى عودة الخطوط التجارية القديمة، وإنعاش مكانة مصر الاقتصادية مستقبلا

والرئيس دونالد ترامب بدأ حملته الانتخابية بتسجيل منتشر مع عارضتين عاريتين بملابسهما الداخلية، ويصوّر معهما صورا بإشارات جنسية، حتى أنه وضع يده علنا على لباس إحداهن الداخلي الأبيض. كلا الرجلين أراد أن يكون واضحا في حربه على الثقافة الدينية بكل أشكالها. ولهذا السبب كان أول اتصال تلقاه ترامب للتهنئة بالفوز الانتخابي من الرئيس السيسي، وقد وجّه له دعوة لزيارة مصر في أقرب فرصة.

وصف تشومكسي ترامب بأنه “حصيلة مجتمع متداع وماضٍ بقوة نحو الانهيار” يبدو ترامب كبركان غاضب يدعمه عدد كبير من الصقور وجنرالات الجيش الأميركي. لهذا قال فلاديمير بوتين منذ فترة قريبة بأنه لا يوجد شك في القيم الديمقراطية للولايات المتحدة، ولكننا لنتعرف على شعب ما علينا العودة إلى تاريخه، والأميركان تاريخهم مرتبط بحكايتين، الأولى هي إبادة السكان الأصليين الهنود الحمر، والثانية هي تجارة العبيد واستعباد السود، ومع كل ما يقال عن ستالين إلا أنني متأكد بأنه ما كان ليستخدم السلاح النووي على هيروشيما وناكازاكي خصوصا عام 1945 لأن اليابان كانت مهزومة وتبحث عن الاستسلام.

ويقول بوتين إن الاختلاف بين الروسي والأميركي هو جوهري وتاريخي، فالروسي ينظر إلى العالم بعاطفة خاصة هي عاطفة التاريخ الروسي، بينما ينظر الأميركي بطريقة مختلفة تماما. ولهذا نحن بحاجة إلى المجتمع الدولي وقوانينه لأن أميركا شعرت في النهاية أنها لا تستطيع التحكم بالعالم بمفردها، وأنه لا مناص من مشاركة الآخرين.

بعد خمسين سنة من الآن لن يتذكر أحد شيئا عن داعش. سوى أنك إذا آذيت المسلمين كثيرا فإنهم قد يصابون بالجنون ويفجّرون أنفسهم، هناك حدود يجب التوقف عندها. تحدث الرئيس السيسي في خطابه الأخير عن مشكلة “التآمر السياسي” واعتقد أن العبث السياسي والجشع هما السبب في احتلال العراق مثلا. البريطانيون مثلا بدأوا يقولون كان ذلك خطأ. مؤامرات دولة قطر وتركيا الإخوانية السابقة لم يكن لها أي داع، وما حدث في سوريا وليبيا لم يكن له داعٍ أيضاً.

الذي حدث هو اللعب بالجهاد والذاكرة لأغراض سياسية ومصالح، ثم فجأة انفجر شيء خارج السيطرة ومختلف ومتوحش. هناك هوية غامضة عند المسلمين، المفروض تركها تنام بسلام دون تحريض وتحريك، وترك الشعوب تعيش بأمان وهدوء. إن المبالغة في الجشع والمكر قد تؤدي إلى نتائج غير محسوبة. القلق العالمي الذي خلقه الإرهاب ومشاكل الهجرة والتآمر السياسي، كل ذلك تراكم وأدى إلى صعود رئيس أميركي عنصري وغاضب مثل دونالد ترامب.

كاتب عراقي

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر