الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

الثلاثاء 26 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10763

ثنائية الإرهاب والعلمانية.. أيهما الأخطر على الدين

قبل أن يصبح مصطلح “الإرهاب” عنوانا لجرائم القتل والاغتيال، كان يعني الترويع اللفظي بغرض الردع، والإيهام بالشروع في سلوك خشن لا ينوي القائل تنفيذه.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/11/15، العدد: 10456، ص(9)]

لم تفشل ثورة 25 يناير 2011 إلا لدى اليائسين والبعض من رابطة منتفعي نظام حسني مبارك. حتى لو أعاد النظام مؤقتا الروح إلى نفسه، بالتواطؤ مع دوائر من رجال الدين والمال، فإن الوعي رصيد تراكمي لا يستهان به في إنضاج مدّ قادم، لتصحيح الانحرافات، بعد أن جرفت الموجات الأولى أوهاما، وقلّبت تربة الرؤوس فأخرجت أثقالها، وتخففت الأرواح من أعبائها، فرفع ملحدون رؤوسهم، وبَشّر فاشيون بقرب إقامة دولة الله التي سبقنا إليها آخرون، في تجارب متناقضة بدأت بإيران، ثم تناسلت في السودان والصومال وأفغانستان-طالبان وغزة، وتوجت بداعش.

نجحت الثورة في تحطيم حواجز الخوف، ليس من القبضة البوليسية وحدها، وإنما من سلطة الرقابة الذاتية على نفوس مكبوتة، والتستر على نفاق النفس بالتصالح مع تناقضات يمكن أن تدرج في بند “التقية”؛ فقبل الثورة لم يكن أحد ممن منحوا أنفسهم لقب “داعية” ليجرؤ على إهانة كتاب مقدس، ولكن سعار الاستقواء والاستعلاء أدى إلى مخالفة القرآن في النهي عن سب “الذين كفروا” فما بالك بالمسيحيين؟ كما لم يكن لدى ملحد جسارة الإعلان عن نفسه. وقد تحرر الطرفان، وشاهدنا بينهما مناظرات تلفزيونية كوميدية، لا يستوعب فيها رجل الدين أن “هذا الدين متين” لا يضيره إلحاد مسلم، فيعمد إلى اتهام الآخر بالكفر، والشاب مطمئن القلب بالإلحاد فلا ينفي الاتهام الذي لا يراه سبة ولا انتقاصا من دين نفض يديه منه.

فأيهما أخطر على الدين؛ الإلحاد والعلمانية، أم التنطع والإرهاب؟

قبل أن يصبح مصطلح “الإرهاب” عنوانا لجرائم القتل والاغتيال، كان يعني الترويع اللفظي بغرض الردع، والإيهام بالشروع في سلوك خشن لا ينوي القائل تنفيذه. كلا المعنيين مرفوض، ويعاقب عليه القانون في دول علمانية تصون الأديان وتحمي حرية المتدينين في ممارسة شعائرهم، بعد التخلي عن الوصاية الدينية على مواطنيها، فلا يثير مهووسون بالدين قضايا التحول الديني؛ لأن الحريات الشخصية أكثر قداسة من أديان أنزلت رحمة للعالمين. في هذه البلاد يعيش الملايين من المسلمين، من المواطنين وممن اكتسبوا الجنسية ومن اللاجئين والمهاجرين، ولا يخضعون لإغراءات بالإلحاد أو اعتناق دين آخر، ولم تنشط بينهم حملات تبشيرية، ولو ردا على أنشطة مراكز إسلامية، وكتب وفضائيات، ومنصات في الميادين العامة لدعوة أهل البلاد إلى الإسلام.

فقد شاهد 11183 إنسانا حول العالم مقطع فيديو في موقع يوتيوب منذ 16 مايو 2012، بعنوان “ألماني مسلم يدعو الناس في إحدى الساحات إلى اعتناق الإسلام”، حيث يقف بيير فوجل بلجبابه الأبيض القصير وطاقيته البيضاء أيضا، أمام الجموع فوق سيارة نقل تمثل منصة، وينادي في ميكروفون هل يود أحدكم أن يعتنق الإسلام؟ من يريد أن يسلم فليتقدم، وكلما تقدم أحد صعد إلى المنصة، وسط تهليل يأمرهم به “تكبير”، وفي نهاية العرض صعد نحو 16 شخصا، قيل إنهم اعتنقوا الإسلام، هكذا ببساطة، من دون شرح لمبادئ الدين، وإيضاح لما يدعو إليه من قيم إنسانية حضارية. ولا يختلف هذا “الشو” الصوتي الجاهز بجمهوره من المسلمين عن “شو” صامت، بطله شاب في حديقة، وأمامه مائدة صغيرة عليها بضعة كتب، ولافتة “Ask about Islam”.

لنفترض أيا من هذين “العرضين” معكوسا في العالمين العربي والإسلامي، بقيام مواطن أو وافد ينتمي إلى مركز تبشيري بدعوة الجماهير لاعتناق دينه. مشهد عبثي لا يتخيل عاقل أن يحدث، ربما يبدأ العرض أما نهايته فستشهد نهاية مقدم العرض غارقا في دمائه، تزفه التكبيرات نفسها التي صاحبت شخصا في دولة علمانية حين اعتنق الإسلام.

هناك، لا تنتبه الجموع إلى إسلام شخص، ولا ترى في مثل هذا الاختيار إساءة إلى مشاعر المسيحيين، أو نيلا من الدين المسيحي الذي لا يضره من اعتنقوا الإسلام طواعية. ولا تتصدع عائلات أسلم أحد أبنائها، ولا يصرخ متخصص في اللاهوت محذرا من تعرّض الدولة لمؤامرة تستهدف سرابا يسمونه في مصر “السلام الاجتماعي”، ولا يتشنج “داعية” فيأمر المتطرفين الشبان بمقاومة من كفروا بالمسيحية، إلحادا أو إسلاما، بحجة هدمهم ثوابت الأمة.

أعرف أصدقاء يقيمون في أكثر من بلد أوروبي، عانى البعض منهم من الدكتاتورية في بلده “الإسلامي”؛ لأنه مثلا يطلق لحيته ويحرص على صلاة الفجر في المسجد. هناك حيث للسلطة دين اسمه القانون، فلا خطر على الدولة من التعدد الديني والمذهبي، وقد تخلصوا من سلطة الكنيسة التي كان يكفي أن تصدر حكما بإلحاد شخص فيقتل تقربا إلى الله.

انفض تواطؤ الملك والبابا، فصار الدين شأنا شخصيا لمعتنقيه الأحرار الذين لم يخرجوا منه أفواجا إلى رحابة الإلحاد. وهنا تعيد المؤسسات الدينية إنتاج أوهام الإلحاد والردة، وتصدّرها للسلطات المتواطئة، لإحكام السيطرة على الشعب، فينصرف عن حقوقه وأولها ما نص عليه القرآن “ولقد كرمنا بني آدم”، مدفوعا بتنفيذ ما يسمونه الشريعة، وقد ارتكبت باسمها عبر العصور جرائم ضد الإنسانية، ومن الضحايا فقهاء سجنوا مثل مالك وابن حنبل، لمخالفتهما فقهاء السلطان الذين قضى أمثالهم بإلحاد أبرياء فقتلوا وصلبوا وقطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف، في انتقام غير إنساني.

كان مصطلح الإلحاد أكثر شيوعا منذ السبعينات، بصوت عبدالحميد كشك، وفي كتب من وصفوا بالمعتدلين كمحمد الغزالي الذي أصابه مرض اسمه الشيوعية، فاعتبر في كتابه “الإسلام والمناهج الاشتراكية” أن الحضارة الأوروبية “هي والشيوعية صنوان في الكفر والإلحاد”.

أما دار الإفتاء المصرية، التي لا تفتي في حكم تعذيب معتقل أو سجن بريء، فابتكرت في الآونة الأخيرة “وحدة مواجهة الإلحاد”، قائلة إنها تهدف إلى الرد على شبهات الملحدين، في تضليل وجهل بطبيعة الملحد الذي لا يعنيه نشر شبهات، ولا التبشير بالإلحاد، ولكنه رأى تحول الدين إلى وظيفة وأداة للتمكين مع صعود اليمين الديني بعد ثورة 25 يناير، فأدار ظهره. في حين لا يزيد عدد الملحدين بين مسلمي أوروبا العلمانية رغم أجواء الأمان وانتفاء الإكراهات، وهو ما يؤكد أن الأزمة ليست في الدين وإنما في استغلاله. لو عاش الغزالي لاستغنى عن كتابه “مستقبل الإسلام خارج أرضه.. كيف نفكر فيه؟”، وألف كتابا عنوانه “مستقبل الإسلام داخل أرضه.. كيف ننقذه؟” من المتنطعين.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر