الاربعاء 23 اغسطس/اب 2017، العدد: 10731

الاربعاء 23 اغسطس/اب 2017، العدد: 10731

سعادة السفير: اعتذر عن المهمة

تطرق الجامعة العربية التي فضلت اعتماد سياسة تصدير المشهد إلى الحلف الأطلسي عبر دعوته إلى التدخل العسكري في ليبيا، تكتوي اليوم من نار تعويلها على القوى الدولية وعدم تأسيها بالتجارب السابقة.

العرب أمين بن مسعود [نُشر في 2016/11/16، العدد: 10457، ص(9)]

تكليف الجامعة العربية الدبلوماسي التونسي صلاح الدين الجمالي بمهمة مبعوث الأمين العام للجامعة العربية في ليبيا أمر يحمل في طياته الكثير من المطبّات والمخاطر السياسية التي على السفير التونسي الأسبق في طرابلس أن ينظر إليها مليا دون السقوط في مهاترات المناصب الشكلية. نقدّر الكفاءة الدبلوماسية التي عليها الجمالي، ومعرفته بالملف الليبي وقدرته على المشي فوق حقول الألغام في ليبيا، لا سيما وأنّه كان ممثل الدبلوماسية التونسية زمن القذافي وتمكن من الحفاظ على المصالح التونسية في وقت عصيب كانت فيه تونس منقسمة بين التعامل مع ممثلي 17 فبراير من جهة، ونظام القذافي من جهة ثانية.

إلا أنّ كفاءة الشخص تضيع في خضم غابة السلاح والمسلحين، وفي ظل فشل مؤتمرات المصالحة على إبرام التوافق ووسط صراع الشرعيات والتشظي الذي تعيشه ليبيا، فيما يعرف مسار التسوية انسدادا كبيرا سواء من حيث الوساطات التعيسة أو التجاذبات الإقليمية والدولية للمشهد الليبي. الجامعة العربية اختارت منذ الوهلة الأولى لاندلاع الأزمة، سياسة الغياب الممنهج، مفوضة للمجتمع الدولي الانخراط في الجغرافيا الليبية تحت عنوان الفصل السابع وفرض الحصار الجوي بمقتضى الفصلين 1970 و1973.

الجامعة العربية التي فضلت اعتماد سياسة تصدير المشهد إلى الحلف الأطلسي عبر دعوته إلى التدخل العسكري في ليبيا، تكتوي اليوم من نار تعويلها على القوى الدولية وعدم تأسيها بالتجارب السابقة في العراق وأفغانستان والصومال. الجامعة العربية ذاتها والتي انتكست وانقلبت على نظامها الداخلي في ضرورة تأمين القرار المحلي للدول الأعضاء، وعدم تعريض أمنها للخطر وسيادتها للاستباحة ناهيك عن الوصاية الدولية، باتت اليوم “الفاعل” الأقل تأثيرا في العالم العربي، والمظلة الأقلّ تجميعا للأطراف المتنازعة، والهيكل الأكثر تردّيا في المنظمات الإقليمية الدولية، وذلك بعد انحيازها إلى جهات إقليمية صادرت قرارها ومقدراتها وجيرتها لصالح أهدافها الاستراتيجية.

عجز كافة الوسطاء العرب الذين اختارتهم أمانة الجامعة العربية لتمثيلها في الصراع الليبي عن مجرد حلحلة الأزمة أو تقديم فرضية الحوار عن بدائل الدمار. فشل الدبلوماسي اللبناني طارق متري في إيصال طرفي المكاسرة العسكرية عام 2011 إلى طاولة الحوار، ليس لنقص في كفاءته ولكن لتحوّله إلى أداة تنفيذية لمشروع الجامعة العربية. بدوره، لاقى الدبلوماسي الفلسطيني ناصر القدوة المصير ذاته بعد أن صار ملحقا شكليا وتابعا هامشيا لمجموعة الوسطاء الدوليين الذين مرّوا تباعا فوق المستنقع الليبي. دفع القدوة فاتورة ضعف الجامعة العربية على ترتيب بيتها الداخلي مرتين، الأولى في الملف السوري عندما رفضته دمشق وفصائل المعارضة، والثانية في الملف الليبي حيث انحصرت تحركاته في القاهرة.

اليوم، تطرق الجامعة العربية بوابة الدبلوماسية التونسية لتوظيف رأسمالها الرمزي والاعتباري لدى الفرقاء الليبيين للتعويض عن فشلها وغيابها في الملفات العربية، وعوضا عن استثمار الوسطاء في دور الهيكل الإقليمي، باتت الجامعة العربية تستثمر في دبلوماسية الدول الأعضاء. من الواضح أنّ الجامعة العربية تبتغي استنساخ تجربة الدبلوماسي التونسي المنجي الحامدي، الفريدة والمتميزة في الوصول إلى تسوية سياسية بين الفرقاء الماليين، لذا فهي تستنجد اليوم بنفس المدرسة الدبلوماسية لإغاثة ليبيا من الوحل الذي تردت فيه وإنقاذ ماء الوجه العربي.

ليبيا لا تحتاج إلى وسطاء بقدر ما تحتاج إلى رفع القوى الإقليمية ليدها عن بيضة القبان وتشجيع الحوار الوطني وتكوين حكومة تكنوقراط من الوطنيين، وصياغة دستور يساعد على تجميع السلاح في يد المؤسسة الأمنية والعسكرية وبناء مصالحة وطنية جامعة وقاهرة للإرهاب المتغلغل في الداخل والمتربص بكامل المنطقة المغاربية. نجاح الوسيط من نجاح المؤسسة الأصلية ومن فاعليتها في محيطها، وفشل الوساطة ينبثق من عدم اعتبار الأطراف المتصارعة لدور الهيكل الإقليمي. وفي حالة الجامعة العربية فإنّ التردّي سينسحب على فعل الوساطة والوسيط، ذلك أنّ “المؤسسة الفاشلة” قاصرة عن الأداء، وناجعة في تصيير الناجحين إلى فاشلين. أن ينهي الجمالي مسيرته الدبلوماسية بتجربة مع هيكل فاشل فهو رديف بسوء الخاتمة. لذا فنصيحتنا التي لم يطلبها الجمالي، هي “اعتذر عن المهمة”.

كاتب ومحلل سياسي تونسي

أمين بن مسعود

:: مقالات أخرى لـ أمين بن مسعود

أمين بن مسعود

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر