الاثنين 16 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10514

الاثنين 16 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10514

ما بعد معركة سرت في ليبيا

خسارة سرت بالنسبة إلى تنظيم داعش لا تعني في كل الأحوال خسارة ليبيا، بل إنه قد يصبح أكثر شراسة في الدفاع عن مواقعه داخل البلاد أمام هزيمته الوشيكة في العراق وسوريا، وإصراره على أن يجد لنفسه بديلا مناسبا.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/11/18، العدد: 10459، ص(8)]

في الوقت الذي تخوض فيه القوات الموالية لحكومة فايز السراج في ليبيا معركة فاصلة، مدعومة بالطيران الدولي، ضد مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام المتحصنين في مربع صغير داخل مدينة سرت، آخر معاقل هذا التنظيم في البلاد، فإن لا شيء في الأفق يوحي بأن هذه المعركة ستكون نهاية التنظيم الإرهابي.

وتفيد آخر المعطيات بأن عددا من مسلحي التنظيم الذين كانوا يقاتلون إلى جانبه في العراق وسوريا والذين يحملون جنسيات مغاربية وأفريقية قد بدأوا الانتقال إلى ليبيا لتوفير الدعم للتنظيم الذي يواجه مصيرا صعبا في العراق وسوريا، بعدما فقد قرابة نصف المناطق التي كان يسيطر عليها في العراق، وحوالي 20 بالمئة من أراضيه في سوريا، ما يدفعه إلى تركيز جهوده أكثر على ليبيا لجعلها بديلا محتملا في حالة اندحاره هناك.

ومنذ عام 2014، حين أعلن التنظيم عن إنشاء ولايات تابعة له خارج العراق وسوريا، كان يبدو واضحا أنه يسعى إلى توسيع دائرة انتشاره والتواجد في أكثر من موقع، من ناحية لأن مشروعه الأيديولوجي الجهادي يرتكز على التوسع في إطار مشروع الخلافة الذي ينادي به، ومن ناحية ثانية لتأمين مناطق إضافية تكون ملاذا له في حالة خسارته لمناطق معينة، ومنذ تلك الفترة نفذ التنظيم عمليات عدة في تونس وبلدان تقع في الساحل الأفريقي راغبا في فتح منافذ جديدة له، وحاول التحرش بالمغرب مرات عدة دون نتيجة، مستفيدا من خيراته القتالية التي راكمها في سوريا والعراق.

وتوجد أمام التنظيم خيارات متعددة للالتفاف على الهزائم التي يتعرض لها، كما أن المعارك التي تجري في مدينة سرت وتراجع الرقعة التي يسيطر عليها داخل المدينة يعطيان انطباعا واضحا بنهايته الوشيكة هناك، الأمر الذي بات معه التنظيم يتطلع إلى الخيارات الأخرى للتغطية على إخفاقه وإنهاك خصومه.

ما يزيد في تعقيد الوضع داخل ليبيا أن القوى التي تحارب تنظيم داعش، في ظل الخلافات التي توجد بينها، ستجد نفسها أمام حتمية المواجهة التي يمكن أن تندلع في حال تم التخلص من خطر التنظيم

وبين هذه الخيارات المفتوحة الانتشار في مناطق الساحل الأفريقي، حيث لوحظ في الآونة الأخيرة أن وكالة “أعماق”، المنبر الإعلامي للتنظيم، بثت شريط فيديو لأبي الوليد الصحراوي، أمير كتيبة “المرابطون” الناشطة في شمال مالي بالقرب من الحدود الجزائرية، وهو يقدم بيعته لأبي بكر البغدادي زعيم تنظيم داعش. وأعلن الصحراوي أن عدد المقاتلين في جماعته لا يتجاوز العشرين فردا، وهي دعوة ربما إلى التحاق مقاتلين من مدينة سرت الليبية لتعزيز صفوفها، خصوصا في ظل الحصار الذي بات يهدد هؤلاء المقاتلين في المدينة الليبية، ما يجعلهم يفكرون في فتح جبهة جديدة للقتال. وخلال الفترة الماضية غادر ما بين خمسة آلاف وستة آلاف مقاتل من جنسيات مختلفة المدينة بعد سنتين من الإقامة، ويعتقد أنهم لجأوا إلى منطقة الساحل والصحراء وأن بعضهم تسلل إلى تونس، خصوصا إذا أدركنا أن عدد المقاتلين التونسيين يفوق أعداد المقاتلين من الجنسيات الأخرى في ليبيا، ما يرشحهم للقيام بأدوار من شأنها تهديد الوضع الأمني التونسي.

تشكل هشاشة الوضع السياسي الداخلي في ليبيا، الذي ينعكس على الوضع الميداني، عاملا مساعدا على تزايد مخاطر التنظيم في المرحلة القادمة. فحكومة الوفاق الوطني، التي يقودها فايز السراج، لا تزال تشتغل بذراع واحدة منذ شهر مارس الماضي ولم تحصل على ثقة برلمان طبرق لتباشر مهامها، بحسب اتفاق الصخيرات الموقع عليه بالمغرب. وتسير البلاد اليوم بثلاث حكومات متصارعة في ما بينها، إحداها يقودها خليفة الغويل في الغرب، وهي منبثقة عن المؤتمر الوطني العام، وتزعم أنها الحكومة الشرعية الوحيدة في البلاد. وقبل ثلاثة أسابيع أعلن الغويل أن حكومته ستستأنف عملها في طرابلس، بعد غياب عدة أشهر، في تحد واضح لحكومة السراج الحاصلة على التأييد الدولي. وتنعكس هذه التجاذبات بين الأطراف المتناحرة على الوضع العسكري، إذ يحاول كل طرف تغيير موازين القوى العسكرية بما يناسب مصلحته، والتحالفات بين الجماعات المسلحة التي تقاتل تنظيم داعش شديدة التحول.

ما يزيد في تعقيد الوضع داخل ليبيا أن القوى التي تحارب تنظيم داعش اليوم، في ظل الخلافات التي توجد بينها، ستجد نفسها أمام حتمية المواجهة التي يمكن أن تندلع في حال تم التخلص من الخطر الذي يمثله التنظيم؛ ذلك أن هذه القوى ستتطلع إلى حصتها من السلطة مما سيطرح صعوبات أكبر أمام الحكومة الانتقالية، ويعيد المفاوضات إلى المربع الأول، وربما يعصف بالقرارات التي تم التوصل إليها في مدينة الصخيرات المغربية بعد مشاورات طويلة ومعقدة، وبعض الجماعات المسلحة التي تقاتل داعش تتشكل من مجموعات قبلية تريد حكما ذاتيا، ولن تسلم قيادها بسهولة إلى حكومة السراج، وبالتالي يمكن أن تشهد مرحلة ما بعد القضاء على داعش معارك بين هذه الفصائل المسلحة.

وفي الوقت الذي يستمر فيه الخلاف بين الأطراف الليبية يسعى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام إلى فتح جبهات أخرى من أجل المزيد من التفتيت، وفي حين تركز الأنظار على مدينة سرت فإن التنظيم يتوفر على مقاتلين بإمكانهم تنفيذ عمليات في العمق الليبي لتشتيت الأنظار واستنزاف القدرات العسكرية الليبية. وكشفت مصادر أميركية وفرنسية في الآونة الأخيرة أن هناك ما بين 5000 إلى 7000 مقاتل تابعين للتنظيم في عموم التراب الليبي، بينما لا يوجد في مدينة سرت سوى عدد قليل منهم، وهذا يعني أن خسارة سرت بالنسبة إلى التنظيم لا تعني في كل الأحوال خسارة ليبيا، بل إنه قد يصبح أكثر شراسة في الدفاع عن مواقعه داخل البلاد أمام هزيمته الوشيكة في العراق وسوريا، وإصراره على أن يجد لنفسه بديلا مناسبا.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر