الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

فنان مأزوم يرسم ذاته على مسافة بعد عاطفي

  • تقدم صالة “آرت أون 56 ستريت” في بيروت معرضا للفنان اللبناني/الأردني رفيق مجذوب تحت عنوان “غرفة رقم 11”، جمع بين اللوحات الذاتية ومجموعة “مُمزقات” من دفتر رسمه الخاص تتتالى بالقرب من بعضها البعض وتذكر بمنطق التوليف الفوتوغرافي، كما يوجد في المعرض صندوق خشبي يتوسط إحدى غرف الصالة ألصق عليه الفنان بورتريهات له رسمها ولونها بألوان داكنة.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/11/18، العدد: 10459، ص(17)]

لوحات تسجيلية لملحمة النجاة

بيروت – أنجز الفنان اللبناني/الأردني رفيق مجذوب أعماله الفنية الجديدة التي تحتفي بها حاليا قاعة “آرت أون 56 ستريت” البيروتية، والمعنونة بـ”غرفة رقم 11”، خلال فترة إعادة تأهيله من الإدمان على الكحول بين 2015 و2016، فترة امتدت لأسبوعين مكث فيها الفنان في غرفة يُطلق عليها اسم “غرفة رقم 11”.

لا يعتبر رفيق مجذوب أعماله، أعمالا فنية ولا يرى فيها إلاّ “مذكرات عن نفسي في تلك الغرفة من المستشفى.. الغرفة 11، حيث كان القلم والدفتر فعلا رفيقيّ الدائمين”، غير أن هذا التوصيف الذي أراده نافيا لفنية رسوماته هو أبرز ما يجعلها فنية.

الإنسان الآخر

أعمال صادقة، غير مدعية ولصيقة بأحواله الأكثر خفوتا أو صخبا، ليس الفنان هو أول أو آخر من رسم لوحات ذاتية، ولكن بكل تأكيد هو من القلائل الذين رسموا ذواتهم على مسافة بعد عاطفي، جاءت الأعمال غير مشحونة بالمشاعر بقدر ما أظهرت تواتر الخواطر وتداعياتها، وسجلت لحظات الضعف والقوة والإصرار على النجاة من فكّ الإدمان الذي تمكن من رفيق مجذوب لسنوات عديدة.

ما من عمل في الصالة إلاّ ويحيلك إلى النزعة الوثائقية المأخوذة بالتفاصيل وبتسجيلها قبل أن تتقاذفها أمواج الصراع ضد الإدمان، تتشنج ملامح الوجوه ونظراتها المتأففة في بعض الرسومات، وفي بعضها الآخر يتطاير شعر رؤوس الوجوه متلبدا تحت وطأة ملوحة الجوّ المحيط والمتمثل بألوان أقلام رصاصية أو ألوان من حبر مُعتم.

يزرع الفنان كلمات ومفردات من حول الوجوه، كلمات مفهومة تسرد السيرة البصرية لملحمة النجاة، ولكنها كما الوجوه تبدو مكتوبة عن بعد عاطفي، وكأن الفنان كتب بيده ما نصّه له القاص الذي هو ليس أحد آخر.. غيره.

لم تكن هذه أول مرة دخل فيها الفنان مركزا للتخلص من الإدمان، ولكنها وفق ما يرشح من أعماله المعروضة، مرجحة بأن تكون المرة الأخيرة، فكل من يشاهد الأعمال سيدرك حتما أن ما صوره الفنان هو المراحل الأخيرة، على تخوم نهاية الإدمان من الكحول.

تبدو ملامح الوجوه في لوحاته ورسوماته تتأرجح ما بين اليقظة والغياب مع تفوق الحالة الأولى على السابقة، في مقارنة مع معرضه السابق الذي فقد بعده أي اهتمام بالرسم ليغوص من جديد في أتون آفة الكحول، أعماله الجديدة أكثر صفاء وهي ترصد تطورات الصراع مع الإدمان والتصالح مع الذات وإن بشكل نسبي، أما في معرضه السابق الذي حمل عنوان “أمطري عليّ”، فجلّ ما قدمه أنه رسم خفة المطر وهو يهطل، لا بل ينسدل على وجوه كما يمسح الماء أسطح المرايا مُبدلا ملامحها وطامسا تفاصيل معالمها.

مجذوب يزرع كلمات ومفردات من حول وجوهه، كلمات مفهومة تسرد السيرة البصرية لملحمة النجاة

وجوه ليست إلاّ تنويع لوجه واحد، وجهه هو، في تلك اللوحات يرزح الفنان داخل الوجوه، يتحد معها، يكونها.. أما في معرضه الجديد فهو الرسام الذي يرسم الإنسان الآخر الذي ليس هو إلاّ.. هو.

يستمر وجود بعض العناصر من لوحاته السابقة في هذا المعرض، ولعل أهمها وأكثرها قدرة على التحول وفق تحول المعاني هو طائر الغراب، يكتب الفنان التشكيلي، رفيق مجذوب في مذكراته المرفقة برسوماته عن الغراب الملكي الأسود الذي رافقه منذ شاهده وحيدا وجميلا في صحراء عدن “أحببته، مع أنني كاره للعصافير ووجدت فيه ذاتي”، إنه الطائر الذي قال فيه أثناء صراعه مع الإدمان “السماء أمطرت غربانا لشدة بياضها”.

وثائق شخصية

أمر آخر يميز معرض الفنان الجديد، ففي حين يمكن لزائر المعرض أن يقف أمام كل رسم بشكل منفرد ويتمعن بما يرشح عنه من معان، يمكن له أن يدخل إلى المعرض لينظر إلى اللوحات والرسومات على أساس أنها أجزاء من مشهد عام، تغيب التفاصيل ويسيطر السياق العام عبر سلسلة من مراحل بصرية ذات ألوان تميل إلى الحلكة، وكلها تشهد على اقتراب رفيق مجذوب من ضفة النجاة.

قدم الفنان معرضه بهذه الكلمات “قصة قصيرة.. الغرفة رقم 11، لسبب ما، ابتسامة على وجهي، مع القليل من الألم، أنا سعيد حزين، لست أعلم ماذا سوف أحلم، وما سيكون عليه الغد إن أتى”.

هكذا وضعنا الفنان رفيق مجذوب اللبناني/الأردني في عقر دار تعبيره الفني الذي لم يرده يوما إلاّ مكاشفة عميقة للذات، لذا، وعلى الأغلب، يمكن القول إن الكحول والإدمان عليها عمّقا من أزمة الفنان الوجودية وأكثرا من أسئلته حولها، ولكنه لم يكن يوما منطلقا لهذا الفضول الحاد والرغبة المُلحة في استكشاف الأنا، كما لم يكن بشكل قاطع نتيجة لأجوبة عثر عليها بعد طول بحث وتنقيب.

تذكر الكثير من رسومات الفنان بأعمال الفنان الفرنسي والشاعر والسينمائي جان كوكتو الذي اعتبرت النجمة التي رسمها في معظم أعماله شعارا له، أما شعار رفيق مجذوب، لا بل مفتاح بصرياته هو “غرابه الأسود”، إنه ذات الغراب الذي نتوقع تطوره تشكيليا في معارض تالية للفنان، وذلك حين يكون قد تخطى مرحلة رؤيته لأعماله على أنها ليست فنا، بل مجرد نتف ذكريات يريد أن يرسمها ليتخلص منها عبر تذكره المُكثف لها. وإذا كان جان كوكتو تمكن من رسم الحالم الذي لا يريد اليقظة، لأنها بالنسبة إليه يقظة مزيفة مقارنة بيقظة الشعر أمام الحقائق الكونية، فحالم رفيق مجذوب أو “نصفه الغائب”، يريد أن يستيقظ من كبوته، لا ليحتفل بالشموس وتورد الآفاق، بل يريد أن يصفف شعره ويمسح السخام من على ملامح وجهه التي أرهقها القلق.

يريد أن يترقب اللحظة الأولى، التي ستشهد جلاء الغمامة الحمراء المتأصلة تحت جفونه، ليقصي “التراجيديا” بعيدا وبصفاء جليدي يقول بكلمات جان كوكتو “خط الحياة الأرضية ليس إلاّ سقوط أفقي”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر