الاربعاء 16 اغسطس/اب 2017، العدد: 10724

الاربعاء 16 اغسطس/اب 2017، العدد: 10724

استقلال إقليم كردستان بطبعة مزورة في بورصة الموصل

لحظة سقوط الدولة العراقية ونشوء كيانات وأقاليم، البثور والدمامل على سطح جلدنا الكريم المتسامح ونصف شعبنا في العراق غارق في دمه ومحنته، فيما نصفه الآخر غارق في الطقوس.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2016/11/19، العدد: 10460، ص(9)]

ظنّ العراقيون إلى غاية العام 1975 أنهم أوصدوا باب المشكلة الكردية بعد عقود من الصراع مع مختلف الحكومات بدءا بالعهد الملكي وصولا إلى النظام الجمهوري، والتي كلفت الجيش والشرطة ما يقارب دماء 70 ألفا من المقاتلين ومعظمهم في عمر الشباب والجندية، وخسائر جسيمة في الاقتصاد وعدم استقرار العراق.

ومع اندلاع الحرب الإيرانية ضد العراق بعد انهيـار نظام الشـاه وتسلم المـلالي مقاليد السلطة، كانت منطقة كردستان بمحافظاتها الثلاث ضمن مرمى الأهـداف الإيرانية لزعزعة الأمن الداخلي، وتحريك الواقع النفسي لإعادة الورقة الكردية إلى الواجهة بإيقاد تلك الجمرات بمواد اشتعال جديـدة مـادتها الأسـاس الصـراع على الجبهة في الحدود الشمالية، وما يمكن أن ينتج عنها من مداخلات لمواجهات حربية شرسة ورهان على طول مدة الحرب ومفاجآتها.

كانت لطموحات وخيالات القيادات الكردية بالتمرد على مركز القرار في بغداد وفي ظل الحرب، مساحات اتسعت ضمن إمكانيات حركتها وحتما بوصلتها في مثل تلك الأيام اتجهت لرفقة العدو المتربص بالعراق وأهله.

الأكراد في حيّز حدود العراق ومن بين الدول المحيطة التي يتواجدون فيها، وهي تركيا وإيران وسوريا، كانوا الأكثر امتلاكا لحقوقهم وحرياتهم المتوجة بقانون الحكم الذاتي. وحسابات هذه المقارنة يؤكدها الواقع السياسي والاقتصادي والاجتماعي لحاضر كردستان العراق قياسا بمعاناة الأكراد الرهيبة في إيران، وما يحصل لتنظيماتهم المسلحة في تركيا، أو استلاب حقوقهم الشخصية في سوريا ومعاملتهم كمواطنين بلا وطن أو هوية أو حتى حق امتلاك جواز سفر؛ وليس كما يعتقد البعض بأن استقرارهم في معظمه يعود إلى القرارات الدولية التي أعقبت أحداث ما بعد انسحاب الجيش العراقي من الكويت في العام 1991.

من شواهد العلاقة بين الدولة العراقية والأكراد أنه في العام 1983، ومعروف ما تعني الحرب وسد ثغورها الداخلية وإطفاء حرائقها لترصين الدفاعات الأساسية في تلك الجبهة الطويلة لعدم خلق أي فتنة، تم تسريح الأكراد ربما لمدة أقل من سنة من الخدمة العسكرية استجابة لظروف معينة، ثم أعيدوا لأسباب تتعلق بتكريمهم كمواطنين عراقيين يدافعون عن وطنهم الأم. في تلك المرحلة كان الآلاف من العراقيين يتساقطون دفاعا عن أرض الشمال في أصعب المعارك وأقسى ظروف الطبيعة وتبدّل الفصول.

إن كل مآسينا وانفعالاتنا ومواقفنا وانحيازاتنا وجروحنا الغائرة في أعماقنا، لا نسمح لها أن تترك أثرا في وعينا ينتقص من دماء ولو شهيد واحد من إخوتنا الأكراد، أو من حقهم كشعب في حياة حرة كريمة يختارها؛ لكن ما لا يمكن تجاوزه هو حقيقة العراق كوطن ودولة وسيادة ومصير تاريخ وجغرافيا وشعب مهدد بالزوال والإلغاء لصالح مجموعات غير قابلة للتعايش والاستمرار.

تصريحات السيد مسعود البارزاني في مدينة بعشيقة المحررة من تنظيم داعش الإرهابي، فرشت السجادة الحمراء لتمر عليها كل المشاريع المختبئة في عقول الساسة بمختلف توجهاتهم، وأخطرها ما يترشح من جبهة مشاركة ميليشيا الحشد الشعبي الطائفي الذي تعالت صيحات ساسته وقادته ومؤسسيه لإضفاء صفة القداسة على أفعاله وخروقاته.

البارزاني بما قاله أراد أن يقول إن الأرض التي يقف عليها في بعشيقة هي كردية وعادت إلى الإقليم بموافقة أميركا وتفاهماتها مع حيدر العبادي في بغداد على إملاءات ما قبل المعركة؛ فسهل نينوى بأقلياته الدينية والإثنية ضمن إقليم كردستان وستتبعه مناطق أخرى.

دماء أكثر من 11 ألف مقاتل كردي في معارك صد ودحر داعش التي ذكرها مسعود البارزاني تعني إرساء لما أطلقنا عليه ضريبة الدم في تقاسم مغانم ما بعد تحرير المدن العراقية من داعش. هذا الرقم يقربنا من الأرقام الحقيقية لدماء الجيش العراقي والشرطة الاتحادية في المعارك، حيث لا إحصائيات أو بيانات توثق حقائق مهمة، والإفصاح عنها لا يحبط المعنويات، وإنما يعطي دلائل لشعبنا وللعالم عن حجم تضحياتنا في تحرير المدن وصياغة لغة مشتركة تختصر المسافات لاسترداد وطن واحد.

الصراع حول المناطق المتنازع عليها، في هكذا واقع ستحسمه معركة الموصل، وفق تصريحات القيادة الكردية، بما يعني أن مزاد الدم أصبح مفتوحا لطروحات الحشد الشعبي وواضح أنه سيكون فاضحا في غلوائه خاصة مع معطيات حركة فصائله باتجاه مدينة تلعفر وحصاره، كالعادة، للقرى والنواحي التي تقع على طريق مسيرته دون قتال لتحريرها، بما يؤدي إلى تجويع وموت المحاصرين وإذلالهم وتركهم لقمة سائغة لداعش.

الحشد الشعبي يسيطر إعلاميا على المئات من الكيلومترات لحركته السريعة في أرض جرداء وعائقه. الأول كان مطار تلعفر الذي سينطلق منه باتجاه المدينة، وسط مخاوف حقيقية من مجريات ما سيحصل من تجاوزات لا يمكن أبدا السيطرة على نوازعها الطائفية، والثمن ماذا في ظل التهديدات التركية المسبقة؟

الوقائع تؤكد أن الأقليات بعد نكبة داعش وما جرى لها ستتجه للبحث عن معنى وطن يقدم لها الأمن والحماية. ورغم معرفتنا بالخلافات بين الأقليات حتى ضمن الدين الواحد والإثنية الواحدة، لكنها ستتفق جميعـا مع الطروحات الكردية وما سيأتي من أفكار جديدة لتقسيمات إدارية، ومنها تشكيل محافظات أخرى ضمن إقليم كردستان؛ مع علمنا بالانقسامات الحادة في الإقليم ذاته.

الحشد الطائفي بعيدا عن طروحاته كقوة عسكرية مقدسة تتجاوز الحدود العراقية، يساهم في برنامج ما يطلبه خامنئي من انتصارات على امتداد المدن العربية، فهو يندفع سياسيا لتحقيق انتصار في الانتخابات القادمة ليكون رقما صعبا في البرلمان، وفي الشارع أيضا، حيث لا قوة تعلو عليه أو صوتا يجادل في أحقيته حول سيادة السلطة وقمع الآخرين الذين سيتورطون في رفض أفكاره لبناء ولاية الفقيه العراقية، ترى من سيصدح بحق الدم بعد انطلاق النداء الأول من بعشيقة كردستان؟

الوليمة قادمة، أعراس دم بكل معنى الكلمة ليس فيها من الحكمة وصواب الرأي إلا ما يشبه تصريحات نوري المالكي عن وحدة العراق، وضرورة تجاوز الفرقاء لخلافاتهم بعد تحرير الموصل، ونكتة التسوية التاريخية ومحاسبة فقط من تلطخت أيديهم بدماء الشعب.

رغم قناعتنا بحق الشعوب في تقرير مصيرها ومنهم إخوتنا في الوطن، أكراد العراق حاليا، ولا ندري أين تتجه شهية الاستقلال وقضم الأراضي، لكننا نؤمن بعد اندحار الوطن والمواطنة بالاحتلال، أنه كان على العراق في كل وقت من أوقاته ألا يفرط أو يصدح بعدم ممانعته لاستقلال كردستان عندما تكون ظروف قيام الدول ممكنة.

اليوم توضّحت فكرة الظروف الملائمة، وهي لحظة سقوط الدولة العراقية ونشوء كيانات وأقاليم تشبه البثور والدمامل على سطح جلـدنا الكـريم المتسامح، فنصف شعبنا في العراق غارق في دمه ومحنته، ونصفه الآخر غارق في الطقوس وكله غارق في إجازة استهلاك ما تبقى من عراقنا القديم.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر