السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

السبت 19 اغسطس/اب 2017، العدد: 10727

حروب عالمية قادمة..

المعركة لا تزال في بداياتها والصمت أو الحياد جريمة في مثل هذه المواقف، فالصراعات لا تجلب سوى الدمار، وما يحدث ليس سوى اختبار لإيمان العالم وجديته في غرس ثقافة التعايش وقبول الآخر.

العرب سالم الكتبي [نُشر في 2016/11/19، العدد: 10460، ص(9)]

ليس لدي شك في أن سياسات الرئيس الأميركي المنتخب دونالد ترامب وتوجهاته ستتغير بدرجات ما، وفقا لكل ملف سياسي وظروفه ومتغيراته، فالشعارات الانتخابية لن تترجم حتما إلى سياسات وخطط للبيت الأبيض في عهد ترامب، والتاريخ يخبرنا بذلك جيدا.

ومن ثم فما يقلقني ليست سياسات القادم الجديد إلى البيت الأبيض، ولكن ما فعلته هذه الشعارات في ثقافة التعايش العالمية، والتوابع المترتبة عما تحقق انتخابيا في الولايات المتحدة الأميركية، حيث تتحدث تقارير إعلامية كثيرة عن توقعات بقوة دفع جديدة لصعود اليمين المتطرف في أوروبا، والذي وجد في فوز الرئيس ترامب دعما قويا لمساعيه للوصول إلى السلطة في دول أوروبية عدة.

في فرنسا، سارع جان ماري لوبان، مؤسس حزب الجبهة الوطنية الفرنسية ووالد زعيمة الحزب الحالية مارين لوبان، إلى القول في تغريدة له “اليوم الولايات المتحدة وغدا فرنسا”، أما ابنته زعيمة هذا الحزب اليميني المحسوب على التيار السياسي المتطرف في البلاد، فبادرت إلى القول إن اختيار دونالد ترامب رئيسا للولايات المتحدة الأميركية يعزز من فرص انتخابها رئيسة لفرنسا في الانتخابات الرئاسية المقرر العام المقبل.

وقالت في تصريحات لشبكة “بي بي سي” “لقد جعل السيد ترامب ما كان يظنه البعض غير ممكن أمرا ممكنا”. وفي تقرير لها ذكرت شبكة “بي بي سي” أن استطلاعات الرأي في فرنسا تشير إلى أن لوبان صاحبة الآراء المتطرفة والمعادية للعرب والمسلمين والمهاجرين بشكل عام قد تصل إلى المرحلة الثانية من الانتخابات الرئاسية المقررة في مايو المقبل، إذا ترشحت في الانتخابات كما تعلن دوما، كما حصل حزبها المناهض للاتحاد الأوروبي على 27 بالمئة من أصوات الناخبين في الانتخابات المحلية الأخيرة في ديسمبر الماضي.

التوجه نحو اليمين المتطرف واتباع السياسات الانعزالية بدآ مع تصويت الناخبين البريطانيين لمصلحة الخروج من عباءة الاتحاد الأوروبي في يونيو الماضي، وتمثلت الموجة الثانية لهذه التوجهات في انقلاب التوقعات واستطلاعات الرأي ومخالفة آراء جميع الخبراء والمتخصصين وفوز الرئيس ترامب بأغلبية أصوات المجمع الانتخابي الأميركي في انتخابات نوفمبر الجاري.

في مواجهة هذا التيار اليمني المتطرف الكاسح يبدو العالم في مواجهة إشكاليتين رئيسيتين.

أولاهما وجود احتمالية عالية لنشوب موجة اضطرابات عالمية مع ما يعنيه ذلك من تفكك أسس وقواعد النظام العالمي القائم ودخول مرحلة اللانظام وتوابعها التي يصعب توقع نتائجها في الوقت الراهن، لا سيما في ظل حالة التقوقع والتشرذم الدولية وانحسار أجواء التعاون الدولي في مجالات حيوية مثل التجارة والاقتصاد والعلاقات الدولية.

الإشكالية الثـانية لا تنفك كثيرا عن الأولى وتتعلق بدخول مرحلة صراع الحضارات والثقـافات التي بشّر بها صامويل هنتنجتون منذ تسعينات القرن العشرين، وركز فيها على صراع الغرب مع الإسلام، وهي الملامح التي تتبلور الآن في دول غربية عدة ما لم يتم تدرك أخطارها الكارثية.

الخطر في ما يدور من حولنا عالميا، أن التعددية والتعايش كانا نتاج تجارب مريرة وصراع استمر لقرون بين الحضارات والثقافات، وانتهى إلى صيغة التعايش وبنـاء مجتمعات متعددة الثقافات.

ولكن يبدو أن أصوات التشدد والتطرف في كل طـرف قد نجحت في زلزلة هذه الأجواء واختراقها والتشكيك في استمراريتها وفاعليتها للمجتمعات، ومن هنـا بات التـوجه نحو رفض الآخر، شكلا ومضمونا، يحظى بدعم متزايد بدعم نسبي من بعـض قطاعات ووسائل الإعـلام التقليدي، والكثير من الإعلام الجديد، الذي ينتمي في معظمه إلى أجيال تتمرد على الواقع وتميل إلى تحطيم القواعد ولا تدرك أهمية القيم الإنسانية الأصيلة مثل التعايش والتعددية.

تقول السياسية الفرنسية اليمينية لوبان إن الاختيار للمجتمعات هو بين مجتمع متعدد الثقافات، ومجتمع يضم مواطنين راغبـين في السيطـرة على مقـدراتهم بالكتامل، ولا أدري شخصيا مـا وجـه المفـارقة أو الصدام أو التضاد بين الخيارين، وما علاقة التعددية بامتلاك المجتمعات لمقدراتها؟ ولكن قناعتي بأن هنـاك ما ورائيات لهذا الفكر الذي يؤمن بأن “الأمم الحرة” كمـا تقول مارين لوبان نفسها هي الأمم التي لا تلتزم بمشتركات للحياة والتعايش المشترك، لذا فهي ترى في قواعد الاتحاد الأوروبي ذاته نوعا من “القمع” وتعتبره “نموذجا قمعيا”، وتطرح استبداله باتحاد أوروبي بين “أمم حرة” ترى أن الأوروبيين يصبون إليه، ونظرة واحدة على الاتحاد الأوروبي بصيغته الحالية لا نجد فيه دولة مسلمة.

فالمسألة إذا لا تقتصر على الإسلام، بل تطال دولا أخرى، الأمر الذي يعني عودة أوروبا ذاتها إلى حروب القرون الوسطى وصراعات طاحنة على خلفيات دينية وعرقية وسياسية وغير ذلك.

وقبل أن يتهمني البعض بتضخيم هذه المخاوف، أشير إلى أن الحديث ذاته يتردد في ألمانيا على لسان السياسي الألماني ماركوس برتسل، عضو حزب البديل من أجل ألمانيا، وفي بلجيكا على لسان قادة حزب المصلحة الفلمنكي الداعي إلى الانفصال عن أوروبا ومناهضة الإسلام والمسلمين، وفي هولندا على لسان اليميني المتطرف خيرت فيلدرز، الذي قال عقب فوز ترامب “لقد استعاد الأميركيون أرضهم”.

هذه التوجهات قائمة في أوروبا منذ سنوات مضت ولكن فوز ترامب منحها قوة دفع هائلة، ووفر لها الآمال الكافية لاستنسـاخ التجـربة الأميـركية رغـم أن ترامب لن يتبنى هذه السياسات المتشددة لاعتبـارات وأسباب كثيرة، والأهم لأنها ليست في مصلحة الولايات المتحدة الأميركية.

ما يهمني في هذا الإطار أن هناك سنوات عجاف تنتظرنا كعرب ومسلمين، وأن علينا أن نتعاطى مع الظرف العالمي الراهن بدقة بالغة، وأن نتحرك بأقصى سرعة لتفويت الفرصة على تنظيمات التطرف والإرهاب كي لا تستغل هذه النزعات الغربية في إشعال النار من ناحيتنا وشحن المزيد من شبابنا بأفكار إرهابية معادية للعالم، والمعركة لا تزال في بداياتها والصمت أو الحياد جريمة في مثل هذه المواقف، فالصراعات لا تجلب سوى الدمار، وما يحدث ليس سوى اختبار لإيمان العالم وجديته في غرس ثقافة التعايش وقبول الآخر.

كاتب إماراتي

سالم الكتبي

:: مقالات أخرى لـ سالم الكتبي

سالم الكتبي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر