الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

مفخخات الطائفية في الإعلام العراقي

ما نراه اليوم في المشهد الإعلامي العراقي هو صورة مؤلمة لممارسات تحمل في ثناياها خطاباً إعلامياً مؤججاً ومبرمجاً لصالح الانتماء الطائفي والعرقي، أكثر مما هو لمصلحة الوطن.

العرب د. ياس خضير البياتي [نُشر في 2013/11/30، العدد: 9395، ص(8)]

لم تكن أعوام المشهد العراقي وتداعياته بعد الاحتلال، أعوام البناء والديمقراطية وحقوق الإنسان، وإنما كانت أعواماَ مليئة بالتناقضات السياسية والمجازر الوحشية، وإشعال فتيل الحرب الطائفية والعرقية وتكريسها، وتدمير البنية التحتية للدولة العراقية إدارة ومؤسسات، وافتعال الأزمات لتمرير المخططات، وتعميق الانفلات الأمني، وفقدان الأمان النفسي والاجتماعي، وانتشار البطالة والفقر، وتعميق سياسة البطش والقوة العسكرية في معظم مدن العراق.

كانت الأهداف الأميركية أثناء الاحتلال واضحة في استثمار الإعلام في تغذية الأزمات، وهذا ما ظهر في الميدان عمليا، كسياسة تعميق الفوضى في العراق لأسباب سياسية تتعلق بوجوده وبإستراتيجية البقاء، وهي سياسة بدأت بحل الجيش العراقي ووزارة الإعلام والأجهزة الأمنية، لتدمير الدولة العراقية وإشاعة الفوضى والاقتتال السياسي والطائفي، وإشاعة ثقافة الاحتلال وتعميقها من خلال أجهزة الإعلام الممولة من المحتل، وإيجاد سياسة احتلالية قائمة على مبدأ «فرق تسد» وخلط الأوراق. وتكريس النظرية النفسية (التنفيس) من خلال فتح قنوات التعبير وتشجيعها بما يحقق للمحتل مصالحه السياسية في إلهاء المواطن بموضوعات ثانوية، وإبعاده عن التفكير بممارسات المحتل وأجنداته السرية، لذلك كانت حرية التعبير في كثير من الأحيان تأخذ شكل صراعات حزبية وطائفية لا علاقة لها بمصلحة العراق.

وأفرز المشهد الإعلامي العراقي الجديد ثلاثة أنواع وهي: الإعلام الحكومي الذي تبنت تمويله الحكومة وأغدقت عليه ملايين الدولارات. والإعلام الحزبي ممثلاً في الصحف والمحطات التلفزيونية والإذاعية التابعة للأحزاب والكتل السياسية، والإعلام المستقل الذي تحوم الشكوك حول استقلاليته، لأنه في الغالب مستقل شكلاً بسبب عدم قدرته على تمويل نفسه، لذلك تجده يخضع للجهات الممولة.

وما نراه اليوم في المشهد الإعلامي العراقي هو صورة مؤلمة لممارسات تحمل في ثناياها خطاباً إعلاميّاً مؤججاً ومبرمجاً لصالح الانتماء الطائفي والعرقي، أكثر مما هو لمصلحة الوطن من خلال أكثر من صورة:

1. وقوع الإعلام العراقي في فخ المنازعات والصراعات السياسية والحزبية والطائفية والفئوية والقومية لأسباب ترتبط بخلفيات بعض الأحزاب وأجنداتها الخارجية، وعدم استيعاب الكثير منها للفكرة الحزبية في العراق وممارسة الديمقراطية.

2. التنوع في وسائل الإعلام، وهو تنوع إيجابي إذا كان يهدف إلى بناء الإنسان العراقي الجديد، وتوعيته بوحدة العراق ومخاطر التقسيم والاحتلال، وتعميق الوحدة الوطنية، وإشاعة ثقافة الديمقراطية واحترام الرأي الآخر، ولكن هذا التنوع الإعلامي اتجه إلى مسارات تخدم الأحزاب وتلتقي بأجندتها السياسيّة.

3. ظاهرة التمويل الإعلامي ومخاطره على مستقبل الإعلام العراقي وإستقلاليته، خاصة إذا كان هذا التمويل خارجياً هدفه تحقيق أهداف سياسية ضد مصلحة الوطن، ولاغرابة أن بعض الصحف والفضائيات تم دعمها من قبل الاحتلال أو من دول مجاورة للعراق، بحيث أصبح التمويل امتيازا لبقاء البعض على حساب صحف وطنية وقومية قاومت الاحتلال إعلاميا، ولكنها لم تستطع مقاومة البقاء لأسباب مادية.

وإذا كانت تفجيرات الفتنة الطائفية لقتل الأبرياء في صورة السيارات المفخخّة تشكل جريمة بحق الشعب والوطن، فإن تفجيرات الفتنة الإعلامية التي تم تفخيخها داخل وسائل الإعلام العراقية هي الأخرى جريمة بشعة لا تقل عن جريمة قتل العراقي بدم بارد، لأنها تحاول إيقاظ الفتنة والتحريض من خلال خطاب إعلامي مؤجج ومبرمج لمصلحة الانتماء الطائفي والقومي والعرقي. فنحن نشهد اليوم ظهور صحف حزبية ودينية ذات ولاءات طائفية تشيع ثقافة الولاء للطائفة. والأخطر هو تسابق الأحزاب والطوائف والمذاهب على إنشاء إذاعات وفضائيات، معظمها تبشر بثقافة الطائفة وتلغي الآخر تحت مبررات عديدة، ليضاف للمشهد الجديد فتنة حريق الإعلام الطائفي الأجنبي وبعض قنوات الإعلام العربية، لصناعة خطاب التحريض والفتنة، وليصبح المشهد العراقي مشهدا إعلاميّا صراعيّا بين الطوائف والقوميات والأديان.

ولم يكن المشهد الإعلامي معزولاً عن الحياة السياسية العراقية من محاصصة طائفية وعرقية ودينية في مجال الإدارة الحكومية وميادين التعليم والصحة والاقتصاد، فهي دون شك سياسة المحتل منذ دخوله العراق، والذي تجسد في قانون «بريمر» الخاص بإدارة الدولة العراقيّة الذي عمّق المحاصصة لإشعال الحرب الأهلية وتقسيم العراق.

ومن المؤسف أن يعيد التاريخ نفسه، فنحن اليوم أمام ظاهرة (حرية إطلاق القنوات) و(الحرية الإعلامية) في العراق، وهي حرية استثمرت ضد الوطن ووحدة مواطنيه، لصالح أحزاب وتكتلات دينية وقومية ارتأت أن تقدم مصالحها الطائفية والقومية والعرقية على مصلحة الوطن من خلال خطابات طائفية وعنصرية ودعائية بحيث أصبح المشهد الإعلامي العراقي يقارب المشهد السياسي، فهناك قنوات شيعية وسنية وكردية تدافع عن طائفتها وقوميتها، مثلما هناك أحزاباً شيعية وسنية وكردية.

وهكذا تحولت هذه الفضائيات إلى منابر إعلامية لتأجيج الصراع السياسي بين الأحزاب والطوائف والقوميات والأديان، وأداة تحريض لإشعال فتيل الحرب الطائفية وتكريس ثقافة المحاصصة والمصالح، وإثارة الغرائز والدوافع النفسية بنبش الماضي وانتقاء الأحداث بإزدواجية المعايير. وهنا لابد من التوقف عند ظواهر أساسية عند مناقشة ظاهرة الفضائيات في العراق، وهي:

1 - إن هذه الفضائيات ولدت في بيئة سياسة صراعية تحت الاحتلال، وهي بيئة أفرزت أنماطا إعلامية مستنسخة من الواقع السياسي العراقي وطبيعة العملية السياسية المبنية على ظاهرة المحاصصة الطائفية، وهذا ما يجعلها في كثير من الأحيان تعبر عن أحزابها وتكتلاتها بعيداً عن منطق الحيادية في تناول الأخبار والأحداث والوقائع.

2 - قضية تمويل هذا الفضائيات، فمن المعروف أن إنشاء فضائية عبر الأقمار الصناعية يحتاج مبالغ طائلة لتأمين المعدات والأجهزة والأستديوهات وتكاليف العاملين، وما يثير الاستغراب هو ظهور عشرات الفضائيات بعد الاحتلال مباشرة من قبل أحزاب وأشخاص، مما يدعو إلى الريبة بأن هناك جهات إقليمية ودولية وراء إنشاءها لتحقيق مكاسب سياسية.

3 - غياب المهنية في هذه الفضائيات، والتي أثرت في نوع الخطاب الإعلامي وتوجهاته السياسية، وعمقه الثقافي والمهني، حيث الركاكة والضعف في أداءها وافتقارها إلى الكوادر الإعلامية المؤهلة، والأخطر هو افتقار هذه الكوادر إلى أخلاقيات الإعلام ورسالته النبيلة بانحيازها إلى طائفتها وقوميتها أو لحزبها السياسي دون مراعاة الحيادية والموضوعية.

4 - ظاهرة الفضائيات الدينية ذات التوجهات الطائفية التي تنطلق من مرجعيات دينية مختلفة، ويغلب على خطابها الإعلامي المحتوى الطائفي أو الانفصالي وإجازة الاقتتال الطائفي، وتكريس الانتماء للطائفة والقومية، حيث فضائيات لا تهتم إلا بقضايا الشيعة، وأخرى تهتم بقضايا السنة، وكلها تحاول استخدام أسلوب الدعاية القائم على إثارة العواطف وتغييب الآخر، وإضعاف ثقافة المواطنة والوحدة الوطنية.

5 - غياب السياسة الإعلامية لهذه الفضائيات حيث تتجه إلى المحلية في نقل الأحداث والأخبار من وجهة نظر حزبية ودينية وقومية لتأسيس فكرة (الانتماء الطائفي والقومي) ومحاولة كسب الناس بخطاب يكرس مفهوم الطائفة والقومية والعرق تحت مبدأ سياسة الدفاع عن مصالحها وتجريدها من انتماءها الوطني، فنحن نشاهد معارك إعلامية فئوية وطائفية بين الفضائيات لإثارة النعرات وتعميقها وتكريس الحقد الطائفي والقومي، وتثوير الأحداث وشحنها بموروثات الماضي، وإشاعة ثقافة الانفصال تحت يافطة تحقيق المصالح، ومحاولة إضعاف الانتماء الوطني في النفوس وربطه بالمكاسب المادية.

إن تحليل محتوى مضمون الفضائيات العراقية وأنماط خطاباتها الإعلامية، يؤكد أن معظمها يكرس لثقافة الطائفية والقومية، حيث التغطية الخبرية للأحداث والوقائع تفتقد إلى الموضوعية والحيادية، ومضامين البرامج تتجه إلى تعميق ثقافة ونشر أفكار الأحزاب وطائفتها وقوميتها على حساب أفكار الوطن والمواطنة، وهذا ما أدى إلى انقسام جمهور الفضائيات إلى جمهور شيعي وسني وكردي، وباتت هذه الفضائيات خنادق للقتال الطائفي، وأدوات تفريق وتحريض وتأجيج للنعرات الطائفية، وترويج بذور الكراهية والتفرقة.

موضوعياً، فإن خطاب الإعلام العراقي مازال خطابا تحريضيا وصراعيا، رغم تنوع رسائله ووسائله الإعلامية وامتلاكه لحرية التعبير، ولكن هذه الحرية ينبغي استثمارها لبناء ثقافة جديدة للإنسان العراقي، وتعميق التوافق الوطني على قضايا الوطن وأمنه، وإعادة بناء الوطن على أساس المواطنة واحترام القانون، وتعميق الولاء للوطن قبل الولاء للمذهب والعرق، ومحاربة الفساد والهدر في ثروات العراق، وإشاعة ثقافة التسامح والوحدة الوطنية، وتثقيف المواطن على ممارسة الديمقراطية واحترام الرأي الآخر، وتعميق القواسم الإيجابية المشتركة بين فئات الشعب بما يتعلق بوحدة المصير والتضامن الاجتماعي ومحاربة الإرهاب الموجه للمدنيين ونبذ العنف بأشكاله. والأهم من ذلك أن يكون الإعلام العراقي صوت العراق الحقيقي، وصوت الشعب العراقي بأقلياته القومية والمذهبية والدينيّة، وصوت الخلاص من مفخخاته الطائفية.

باحث وإعلامي عراقي مقيم في الإمارات

د. ياس خضير البياتي

:: مقالات أخرى لـ د. ياس خضير البياتي

د. ياس خضير البياتي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر