السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

السبت 29 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10617

الموصل تأنيب في ضمير العراق

لكي يسلّم مليون إنسان موصللي أنفسهم ويتم نقلهم إلى المخيمات والتحقيق معهم، وفصل النساء عن الرجال، يجب أن تكون هناك دولة وقانون محاسبة وليس هكذا تسلم الناس بناتها للميليشيات.

العرب أسعد البصري [نُشر في 2016/11/20، العدد: 10461، ص(6)]

في البداية أريد أن أنقل نماذج من أفكار وعواطف المنسيين الذين هم سنة العراق. ضحية التجارة بين الميليشيات وداعش والسياسيين السنة والشيعة لا أحد حقاً يمثل خوفهم الرهيب على مدينة الموصل، ولا يوجد كلام يطمئنهم.

◄ رسالة 1: اليوم عناصر ميليشيا عصائب أهل الحق دخلوا منطقة الرحالية غرب الرمادي واعتقلوا 20 شخصا واقتادوهم إلى كربلاء وسط هتافات طائفية.

◄ رسالة 2: والله يا أستاذ لو تعرف ماذا حدث في تكريت وخصوصا ناحية العلم مع الأسف حدثت أمور محرجة بعد التحرير (صارت عركة) بين بعض الميليشيات وحشد العلم بمضيف أحد شيوخ العلم، والسبب أن هذه المليشيات قالوا أعطونا بعضا من نسائكم للـ(….) مثل ما أعطيتموهن للدواعش، واندلعت مشادة كلامية وضربوا الشيخ. لم تنته عند هذا الحد فقد حدثت بعدها أمور صعب ذكرها مع الأسف.

◄ رسالة 3: يقول شاب إنه ذهب من بغداد لزيارة أهله في الفلوجة. الأمر يتطلب موافقات أمنية معقدة، وقبل أن يأخذ التصريح، صرخ المسؤول بامرأة من الفلوجة وشتمها أقذع شتم، ثم التفت إلى طابور الرجال وقال “هل فيكم رجل من الفلوجة يفتح فمه حتى أسحق رأسه بالحذاء وأنعل أبوه لأبو الفلوجة، وليشتكي وين ما يريد” يقول الشاب كلنا صمتنا. هذا هو مستوى التعامل اليوم.

◄ رسالة 4: مضمونها يتحدث عن أن الميليشيات تأخذ بعض البنات من المخيمات ليلا بحجة التحقيق ويعيدوهن صباحا.

◄ رسالة 5: أستاذ أسعد نحن نعيش هذا الواقع الذي تكتب عنه، وتريد من السني أن يعترف بالهزيمة وأن يطلب السلامة حتى لو يتشيع، تريد من السني إعلان الانكسار، هكذا جرت علينا الأقدار. ولكن الشيعي الحاكم ألا يجب عليه أن يعدل في ظلمه قليلا؟ أقصد الحاكم والأحزاب، وأن يقدّر قليلا هذا الانكسار والاستسلام ويبدأ ببناء شبه دولة أو مؤسسات؟

◄ رسالة 6: السيد العبادي أفضل رئيس وزراء لحدّ الآن وعمله جيد، لكن هناك أحزاب وميليشيات متنفذة تعمل ضده. يجب أن يتصرف بسرعة وينهي معركة الموصل على خير، ويصدر عفوا ويحاسب المقصرين دواعش وسياسيين قانونيا على حد سواء.

◄ رسالة 7: تريد من أهل الموصل الاعتراف بالتورط الداعشي وطلب العفو العام والمناصحة والمصالحة. الفلوجة شبه اعترفت وطلبت الصفح ولكن لم يستطع أحد الدفاع عنها. لا قبل الحملة عليها، ولا أثناءها، ولا بعدها. تركوها تفعل بها وبأهلها الميليشيات ما تشاء. قبل يومين فجر انتحاريان جسدهما بالشرطة الأمنية داخل الفلوجة وهما فتيان يافعان من أهالي الفلوجة. ما الذي دفعهما لذلك بعد كل ما جرى؟ الظلم يؤدي إلى الانتحار.

ما مصير الوطن

◄ رسالة 8: عندما كنت طالبا بالجامعة قبل ظهور داعش بـ3 أشهر تقريبا التقيت رجلا من الرمادي بالقسم الداخلي وهو صديق نتعامل معه بحذر، لأنه يتكلم كثيرا عن داعش والروافض. الشاب كان مسجونا في “بوكا” والأمن العراقي وضعه تحت التعذيب. هذا سجن أميركي فتخيل ماذا تخرّج السجون العراقية.

◄ رسالة 9: يا أخي سأجن كيف لا يوجد حل لهذه العوائل في الصحراء؟ النساء سيمتن من الجوع والوسخ والتعب. العتب على السنة والشيعة معا. الرحمة يا ناس.

لا يوجد ستة آلاف مقاتل يحكمون مدينة فيها مليون إنسان، ويقاتلون جيوشا جرارة من عدة جبهات. هذا غير صحيح. الواقع أن مدينة الموصل في خوف شديد من الميليشيات. وبعض شباب الموصل تقاتل. لا يوجد شيء يطمئن المدينة. السيد مقتدى الصدر نفسه وصف الميليشيات مرة بـ”الوقحة”.

لكي يسلّم مليون إنسان موصللي أنفسهم ويتم نقلهم إلى المخيمات والتحقيق معهم، وفصل النساء عن الرجال، يجب أن تكون هناك دولة وقانون محاسبة وليس هكذا تسلم الناس بناتها للميليشيات. أفضل جهة حتى اليوم هي البيشمركة، ومع ذلك خرجت نساء إيزيديات ذكرن أن البيشمرگه اغتصبوهن قبل عامين، وتمت طمطمة القضية بسرعة. الموضوع حساس والدولة هي المؤتمن على المال والعرض والدم.

في فيلم العودة الأخير لليوناردو دي كابريو رجل أبيض عنده ولد شكله هندي من هندية حمراء، الأب يقول لولده لا تتشاجر أبدا مع البيض، قال الولد ولكنّني على حق، قال ذلك غير مهم يا ولدي، إنهم ينظرون إلى وجهك القبيح فقط. لهذا السبب على السنيّ ألاّ يتعب نفسه في شتم داعش، فأنت داعشي وإذا لا فبعثي، وإذا لا فسنيّ في كل الأحوال وجهك قبيح، الأفضل الاهتمام بخطاب مختلف غير البكاء على الأطفال وشتم داعش لا توجد شفقة في النظام الطائفي والعنصري.

لن يستطيع السني إثبات أنه ضد داعش إلا إذا أخذ زوجته للرقص الإسباني، وهو لا يعرف الرقص، وهي محجبة، الأفضل أن يسكت حتى يجد الحكماء حلا. فالمشكلة اليوم معقدة لأن هناك الثارات والسرقات والخوف من الريف السنّي على المدينة بعد تحرير الموصل.

إن ضبط الأمن وحقن الدم هو التحدي الأكبر للسيد حيدر العبادي اليوم بعد عملية التحرير. الفلوجة لم تقاتل وحدثت تلك المقابر الجماعية وحرق البيوت والانتهاكات المسكوت عنها، فما بالك بمدينة تقاوم وكأنها طروادة، حتى أن خليفتهم الإرهابي أطلق على الموصل “القلعة العصياء” فتخيل بعد كل هذه الدماء ماذا ستفعل الميليشيات بالموصل؟

يقول أحد خطباء الإغريق على لسان هوميروس “وإذن فلا تتعجلوا إلى أرض الوطن قبل أن يضاجع كل منكم امرأة من زوجات الطرواديين، وبذلك يكون قد أخذ ثأره لكل ما انتابه من عناء وأسى بسبب ما حدث لهيليني”.

الحكومة العراقية بدلا من أن تعدّ إصدارات منظمة وخطابات وطنية للجنرال عبدالوهاب الساعدي عن سير عمليات تحرير الموصل، لطمأنة السنّة الذين يحبون هذا القائد الشيعي النزيه ويحترمونه، نراهم على العكس يعدّون خطابات للميليشياوي الجاهل أبو عزرائيل عن معركة الموصل. هل هذا غباء أم خبث متعمد؟

التحدي الأكبر للسيد حيدر العبادي اليوم بعد عملية التحرير. الفلوجة لم تقاتل وحدثت تلك المقابر الجماعية وحرق البيوت والانتهاكات المسكوت عنها، فما بالك بمدينة تقاوم وكأنها طروادة، حتى أن خليفتهم الإرهابي أطلق على الموصل (القلعة العصياء) فتخيل بعد كل هذه الدماء ماذا ستفعل الميليشيات بالموصل

إن وضع الموصل مخيف إلى درجة أن مسؤولا إعلاميا وقياديا في ميليشيا النجباء كتب لي هذا الاقتراح العجيب يقول “نحتاج قرارا شجاعا مثل قرار النبيّ محمد بفتح مكة “اذهبوا فأنتم الطلقاء” عفو عام ولنخلّص الناس، والمدّعي بالحق الشخصي فليتفضل ويقدم شكوى. الأمور الكبيرة بمستوى الموصل تحتاج قرارات كبيرة وتضحيات كبيرة، أعتقد على الكل أن يدوس على الجمر حتى أهل الضحايا، فلنخلص الناس”.

نحن أمام معركة بين متطرّفين ومجاهدين من جميع الجهات فالشيعة يقولون “هيهات منا الذلة” والدواعش يقولون “يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت” وأردوغان يقول “فاستقم كما أُمِرت” ولا نعرف نهاية هذا الاستدعاء للمقولات التاريخية والمقدسة.

فالعراق بحاجة إلى خطاب وطني اليوم والى أناشيد وطنية. شيء مؤسف أن الدواعش أصدروا نشيدا في معركة الموصل “يظنون البلاد بلا حماةٍ” بينما الإعلام العراقي لا يرد بنشيد وطني يلهب حماسة الشباب ضد التطرف الديني ويستدعي الوطن.

النشيد خطير فكيف يمكن هزيمة نشيد؟ خصوصا إذا سارت تحته سرايا شجاعة. إنّ كل ما سيحدث هو كآبة النصر على محاربين ضحّاكين، ويبقى النشيد كتأنيب في ضمير الأمة. لا بد من كتابة أناشيد مضادة. شعراء العراق ومبدعوه قادرون على هزيمة داعش وأناشيده لو أن الحكومة العراقية تتعاون في بناء الخطاب الوطني.

كاتب عراقي

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر