الاحد 24 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10761

الاحد 24 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10761

دفاعا عن الذائقة الجمالية

ذائقة جمهور الشعر الحر أكثر إحساسا بالشعرية من ذائقة جمهور الشعر التقليدي، لكن الثقافة العامة مازالت هي المسيطرة على الذائقة الشعرية.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2016/11/22، العدد: 10463، ص(14)]

لن أدخل في مشكلات علم الجمال في عرض الذائقة الجمالية وماهيتها، بل سأظل عند تخوم الفلسفة فقط وأعرض للجميل والذائقة الجمالية في بساطتهما.

الجميل كل ما ينتج أثرا محمودا في النفس ويولد متعة تصل حد الفرح. ولا يمكن فصل الإحساس بالجميل عن الشعور بالمتعة أو اللذة. والجميل حاضر في الطبيعة وفي إبداع الإنسان.

نحن لا نتحدث هنا عن العلاقة بين الذات والطبيعة، لأننا أمام موضوع يبعث على الإحساس بالجمال دون أن تكون للذات يد في صناعته. بل الحديث يجري عندي عن القيمة الجمالية التي ينتجها الفن والأدب بكل أنواعه والموسيقى والأغنية.

إن الذائقة الجمالية هنا مرتبطة ارتباطا مطلقا بثقافة المتلقي التي اكتسبها من الثقافة العامة من جهة ومن الثقافة المبدعة من جهة ثانية ومن مستوى الوعي الفردي. يمكن اختصار القول بحكم مفيد واحد، الذائقة الجمالية هي ثمرة التربية الجمالية. حيث يولد الإنسان في حقل ثقافي جمالي محدد ثم يتلقى ثقافة جمالية منظمة ثم ينفرد بتطوير ذائقته الجمالية.

فالذائقة الشعبية التي نشأت على سماع الأغاني الفولكلورية التي لا يُعرف مؤلف أنغامها وكلماتها وتربت على موسيقى مؤلف استعادها بصورة جديدة، وألِفت هذا النمط من الغناء من الصعب على ذائقتها الموسيقية أن تستمع إلى موسيقى عبدالوهاب وصوته ونص الأخطل الصغير في أغنية “الهوى والجمال”.

ولكن مع شيوع موسيقى المؤلفين الكبار وبخاصة في مصر: سيد درويش والقصبجي والسنباطي وزكريا أحمد وَعَبَدالوهاب والموجي وبليغ حمدي وكمال الطويل تربت ذائقة جيل من الفئات الوسطى ونما حسها الموسيقي بفضل هؤلاء، مع بقاء الأغنية الشعبية حاضرة في أوساط واسعة. والملاحظ ارتباط وجود هؤلاء بعملية نهوض شبه شاملة.

وفي المقابل فإن تغول السلطة العسكرتارية واعتمادها على فئات رعاعية قد حطم، شيئا فشيئا، الذائقة الجمالية الموسيقية السابقة، وفتح الطريق أمام الأغنية المنحطة لحنا وكلمات، وشاعت ثقافة الملهى التي كانت في الأصل موجودة ولكنها لم تكن سائدة، وبرز الغناء الرعاعي الخالي من الأصالة الشعبية التراثية المدينية والقروية.

وقس على ذلك جوانب أخرى من الحياة الجمالية. وهذا لا يعني بأن كل جديد مرذول فلقد كان بليغ حمدي جديدا، كما لا يعني بأن كل قديم محمود. فإذا ما طبقنا سيرورة الذائقة الجمالية على الذائقة الشعرية فسنجد أن الذائقة الشعرية التي تربت على القصيدة التقليدية ببحورها وقوافيها وأغراضها من مدح وهجاء ورثاء وغزل ووصف لم تستطع أبدا أن تتلاءم مع القصيدة الحديثة الحرة من الوزن التقليدي والقافية وظلت تنظر إلى الجديد على أنه أقل شأنا من القديم. ومازال جمهور الشعر الحر في بلدان عربية كثيرة أضيق من الشعر التقليدي. وخاصة أن الشعر المعاصر اليوم هو أكثر بساطة ومنبري ويتوجه إلى جمهور أوسع.

إن ذائقة جمهور الشعر الحر أكثر إحساسا بالشعرية من ذائقة جمهور الشعر التقليدي، لكن الثقافة العامة مازالت هي المسيطرة على الذائقة الشعرية.

والملاحظ أنه مع انطلاقة الربيع العربي بدأت الموسيقى الهابطة تخلي المكان لما هو أكثر تعبيرا عن الوجدان، ومازالت المعركة بين الذائقتين الشعريتن مستعرة، ويبدو أن الأمر مع الشعر يحتاج إلى زمن طويل لما لهذا الصعيد من الإبداع من تجذر قديم في الذائقة الجمالية.

وقد نشهد تحولات عميقة في الذائقة الجمالية لأننا نعيش مرحلة انفجار ستعقبها مرحلة نهوض ممكنة تخلق عالما جديدا على أنقاض مرحلة انحطاط طال زمانها.

كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات

أحمد برقاوي

:: مقالات أخرى لـ أحمد برقاوي

:: اختيارات المحرر