الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

الجمعة 24 مارس/اذار 2017، العدد: 10581

ثنائية الأصل والصورة.. هكذا يظل العود أعوج

الغربي القلق، الباحث عن يقين، ربما لا يتاح له الوقت والجهد وأدوات البحث لكي يتجاوز هذه الفتاوى المتشددة ويتواصل مباشرة مع سماحة دين أقر مبدأ 'لا إكراه في الدين'، وسيعلم أيضا أن الدم أكثر حرمة من بيت الله الحرام، وأن الإسلام أقوى ممن يتشنجون بالدفاع عنه.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/11/22، العدد: 10463، ص(9)]

لم أعثر على إحصائية للرقم الدقيق الذي أنفقه مسلمون عرب لتحسين صورة الإسلام في الغرب، وخصوصا منذ هجمات 11 سبتمبر 2001.

ولم أجد إجابة عن سؤال: لماذا الغرب؟ على الرغم من أن الشرق أولى بالمعروف؛ فهو أقرب إلينا، واقتصاديا يمثل سوقا أكبر، كما أن تكلفة التبشير وهداية شخص شرقيّ طيب إلى الإسلام، أقل بكثير من تكلفة شخص غربيّ مثقل بالحداثة وجذورها المعرفية.

لا يوجد حصر للمراكز الإسلامية المنتشرة في الشرق والغرب، وتتنافس في إقامتها أكثر من دولة، ولا يعرف أيضا حجم الإنفاق على حملات إعلانية وإعلامية تهدف إلى ما يسمونه تحسين الصورة، ولا يوجد سجل رسمي لعدد “رسل مبشرين” مهمتهم طرق أبواب جامعات ومراكز بحثية ولقاءات مع سياسيين وبرلمانيين لشرح “حقيقة الإسلام” كلما وقعت كـارثة واتهم في ارتكابها مسلمون ينتمون إلى “ديار الإسلام”.

وغالبا تبدأ هذه الموجات من الذروة، من قمة الحماسة، ثم تهبط تدريجيا، ولا تترك أثرا، إلى أن تقع واقعة جديدة، فتدور الدائرة. لا تمنحنا المرايا وجوها بديلة، وقديما تساءل الشاعر: “متى يستقيم الظل والعود أعوج؟”.

وقد تجاوز العالم مراحل من البراءة تسهّـل إيهامه باستقامة الظل، وهو يرى اعوجاج العود، وربما لمسه بنفسه في زيارات لا يجد فيها أثرا لأي “كلام” يردده مبددو الأموال في الحملات التسويقية.

يتابع الغربي الذي تستهدفه دعوات التبشير وحملات التبرير مأساة عرب مسلمين من ضحايا استبداد أنظمة الحكم العسكرية والدينية والقبلية. وينقسم هؤلاء إلى ضحايا في الداخل يحلمون بالفرار، وضحايا ناجين ينشدون الاستقرار في دول علمانية، فأي الداريْن هي “دار الإسلام”؟ حيث ينعم الإنسان بالحرية والعدل والمساواة، ويحظى بفرص الصعود وفقا لكفاءته، من دون أن يسأله أحد عن دينه ومذهبه؟ أم حيث تفتح شلالات الميكروفونات بالأدعية – بالمخالفة لآية “واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول” – وخطب متواصلة يحلو فيها للداعي أن يبتهل إلى الله في نهاية خطبة الجمعة بهلاك اليهود والنصارى؟

لعل هذا الغربي يتساءل: ما دام “الأصل” حسنا، فكيف يكون العالم الإسلامي خانقا طاردا، لا جاذبا للهجرات والكفـاءات والأموال والاستثمارات؟

وإذا كان هذا “الكلام” صحيحا، فلماذا لم يُثمر الإسلام في دياره؟ ولو أتيح لهذا الغربي أن يطلع على أركان الإسلام، وقرأ عن زكاة الركاز مثلا، فقد يسـأل عن حجم هذه الأموال التي تكفي لإغناء فقراء العالم الإسلامي في الشرق والجنوب؟

ولعله يتقصى حدود حرية التعبير فيزلزله سجن كاتب بسبب جملة في رواية، أو حكم بإعدام شاعر بسبب قصيدة، أو تجريد أحد “الرعية” من جنسيته لأن آراءه لا تعجب “الراعي”.

وإذا أحاط بشيء من هذا “الأصل” الخاص بحرية التعبير فلن يسأل عن حرية مواطن غير مسلم في ممارسة شعائر دينه، وسيفاجأ بأن الحقيقة أكثر بشاعة من تفاصيل مجتزأة شاهدها أو سمع بها، ولن يستوعب أن في مصر مجالس عرفية، تنتمي إلى عصور ما قبل الدولة، تقضي بتهجير مسيحيين أو نفيهم من قراهم، ليس لأنهم جناة، وإنما إرضاء لمسلمين خرجوا من صلاة الجمعة، محتفظين بوضوئهم، وسارعوا إلى قذف بيت لمواطن مسيحي بالحجارة، بحجة أنه ليس كنيسة مرخصة، ولا يحق له تبعا لذلك أن يصلي في بيته مع آخرين.

أما المسلم فيُسمح له بإغلاق شوارع محيطة بالمساجد في العالم العلماني أثناء صلاة الجمعة، وفي العالم الإسلامي تضاف إلى هذا “الحق” مصادرة الأرصفة أثناء صلاة التراويح حتى مطلع الفجر طوال رمضان، وزرع ميكروفونات في عدة جهات للمسجد الصغير وهي كافية لتنفير غير المسلم من الإسلام.

وربما بلغت هذا الغربي أخبار عن قتل مسلمين من المصريين السنة لمسلمين من المصريين الشيعة، بتحريض ومباركة سلفيين من المسلمين المصريين السنة.

لن يجد هذا الغربي تفسيرا حضاريا لرفع الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد يده بعلامة النصر حين دخل الأزهر، خلال حضوره مؤتمر القمة الإسلامي الذي انعقد بالقـاهرة عـام 2013، كـأنه فتح مصر.

وتكتمل المسخرة بتحريض سلفيين مسلمين لمحمد مرسي، الرئيس المصري الإخواني آنذاك، على الشيعة، واتهامهم بأنهم “أنجاس”، وبعد زوال حكم الإخوان ستصمـت دار الإفتـاء المصـرية عـن إعلان حكم الدين، أي دين، في إزهاق أرواح وتعـذيب مواطنين محتجزين أو معتقلين حتى الموت، وتعمد إلى إلهاء المسلمـين الطيبين بخطـورة الإلحـاد، وتنشئ وحـدة لمكـافحته.

سنفترض أن هذا الغربي يرى داعش تنظيما إجراميا لا علاقة له بالدين، ولكنه بحكم تربية قـائمة على الشك والجدل سيتردد كثيرا في اعتناق دين يصر “الوسطيون” من أعلامه على الإساءة إليه، بنزع حق الإنسان في الارتداد عما لم يعد يؤمن به.

لم يكن الخطيب الشعبوي عبدالحميد كشك وحده الذي أفتى بكفر تارك الصلاة، ووجوب قتله. تبعه “إمام الدعاة” محمد الشعراوي الذي لم يتردد في الإفتاء بكفر وقتل من ينكر الصلاة، وشيخ الأزهر أحمد الطيب يستعيد أيضا خطابا تقليديا عن الاستتابة التي جرت في ظرف سياسي مختلف، وتتناقض مع حقوق الإنسان ومع روح الإسلام الذي أكد أن الله غنيّ عن العـالمين فما بالك بمن قـرر الخروج مـن الدين؟

هذا الغربيّ القلِـق، الباحث عن يقين، ربما لا يتاح له الوقت والجهد وأدوات البحث لكي يتجاوز هذه الفتاوى المتشددة ويتواصل مباشرة مع سماحة دين أقر مبدأ “لا إكراه في الدين”، وسيعلم أيضا أن الدم أكثر حرمة من بيت الله الحرام، وأن الإسلام أقوى ممن يتشنجون بالدفاع عنه، وأن القرآن الذي لا ينص على عقوبة للمرتد حسم الأمر بقوله “إن الذين آمنوا ثم كفروا، ثم آمنوا ثم كفروا، ثم ازدادوا كفرا، لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا”.

فإذا كانت الردة تقترن بقتل المرتد، فكيف تمكن إنسان من الكفر بالدين ثلاث مرات من دون أن يعاقب بالقتل مرة واحدة؟

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر