السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

متاهات في شكل حوارات

واقعيا هي حوارات في شكل متاهات لا نهايات لها، ستحضر فيها خبايا وأسرار ونظريات مؤامرة وطرح الفكرة ونقيضها وهكذا تمضي الحوارات إلى سلسلة مفتوحة من الاحتمالات.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2016/11/22، العدد: 10463، ص(18)]

الشاشة في قربها أو بُعدها من المشاهد هي تلك الإشكالية التي تختصر التفاعل والانجذاب إلى الوسيلة الإعلامية أو العزوف عنها، لكن حتى الآن لا توجد دراسات مسحية واستطلاعات يُعتدّ بها تكشف عن نسبة المشاهدة وجمهور الفضائية الحقيقي. تلجأ القناة الفضائية إلى شحن الأجواء مرة إثر مرة بإثارة قضايا يَحسب القائمون عليها أنها كفيلة باجتذاب ذلك الجمهور المجهول وهو واقعيا صار يُنظر إليه إعلاميا على أنه نوع من الجمهور المتردد، ذلك الذي لم يقرر بعد أن يُدخِل نفسه في دائرة الاستقطاب فيتتبع خطاب هذه الفضائية دون تلك.

واحدة من تلك الأدوات هي إيجاد موضوعات للنقاش أو حوارات بين ضيوف مختلفي الرؤى أو حتى الأيديولوجيا وهنا يلعب مقدّم الحوار لعبته في ضرب الأضداد ببعضها البعض. سيبحث المشاهد وسط ذاك السجال عن نفسه، عن أسئلته وعن الإجابات عليها لكن الخطة المُعَدّة ليست كذلك، ليست المسألة في إيجاد إجابات، إنها في جرّ المشاهد إلى الحلبة وإدخاله في دائرة الاستقطاب ولهذا ستتعدّى المهمة إيجاد إجابات عن قضايا أكثر إلحاحا بل استيلاد أسئلة من دون إجابات.

واقعيا هي حوارات في شكل متاهات لا نهايات لها، ستحضر فيها خبايا وأسرار ونظريات مؤامرة وطرح الفكرة ونقيضها وهكذا تمضي الحوارات إلى سلسلة مفتوحة من الاحتمالات. بالإمكان سريعا إيجاد غطاء لهذا النوع من العمل الإعلامي في الفضائيات العربية على أنه نوع من إشراك عقل القارئ وعدم إملاء الأفكار عليه. فكرة تزيد مهمة العمل الإعلامي التباسا ذلك أن بعض الفضائيات يقلّد بعضها بعضا في هذا النمط البرامجي الذي صار شائعا وتكاثر على الشاشات بشكل ملفت للنظر.

واقعيا هنالك إشكالية أخرى تتعلق بصياغة الموقف الإعلامي من الظواهر السائدة والتي يجري طمسها في ظل تلك الحوارات التي تتراوح ما بين الاستطرادات ووجهات النظر المتناقضة أو الأفكار السائبة. لا يفعل المُحاور شيئا كثيرا لبلورة الأفكار وعدم ترك المتحدّثين والضيوف يعرضون أفكارهم على هواهم ووفق اجتهاداتهم أو ما يرغبون في الخوض فيه وهي إشكالية أخرى تزيد المهمة تعقيدا.

من هنا يمكننا العودة إلى الإشكالية التي انطلقنا منها بتشخيص إحدى الظواهر السائدة والتي تتلخص في كثرة الفضائيات ومقابل ذلك كثرة البرامج الحوارية في مقابل التحدي الإشكالي وهو بحث الفضائية عن جمهورها واستقطابه. القضايا الشائكة سياسيا والتي تتعدد فيها وجهات النظر تدفع قدما إلى هذا النوع من الحوارات على أمل تقديم حصيلة ذات جدوى لجمهور يتفرج على فصول اللعبة فيما الفضائيات تلاحقه لكي يكون ضمن جمهورها لكنها ستفقده في كل مرة بسبب حواراتها المتشعّبة، هو الجمهور الحائر في شكل تلك الحوارات ومحتواها مدركا بعدها أنه لا يمتلك نفَسا طويلا ولا صبرا على سيل من الحوارات التي تقترب من المتاهات.

كاتب عراقي

طاهر علوان

:: مقالات أخرى لـ طاهر علوان

طاهر علوان

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر