الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

صعقة العين

كم هو بئيس عمل ناقد الرواية وجالب للهم، عزيزي القارئ، لهذا أتفهم ذلك النزوع الشفوي الذي يركب عددا كبيرا من نقاد هذا الجنس التعبيري حين يدعون للحديث عن نصوص بذاتها.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/11/23، العدد: 10464، ص(15)]

أن تكتب عن رواية كأن تترضّى اللفظ ليبدل جلده، تبدو منهزما منذ البداية وأنت تحاول تدوير لعبة التعبير عن ذلك الشيء الذي قاله الروائي على نحو نهائي لا يحتمل الملاوعة؛ في كل مرة تحتاج لغسل الكلمات من أثرها القديم، واستنبات صيغ ومفردات تعيد قول ما بين السطور، ويكون الهروب من إعادة الحكاية حلا لعدم إفسادها، والبقاء في حلبة التساؤل عن “الوسيلة” و”الماهية” و”القصد” و”ما وراء الأسلوب”. وسرعان ما تبدو القراءة ممتعة في حدود الصمت، أي فهم ما قيل بصدد المصائر المتقلبة، دون تجاوز تلك المتعة إلى كتابتها سوادا على بياض. لذلك غالبا ما تنعت المحاولات النقدية للرواية بـ: “القراءات” و”المراجعات” و”التحليلات”… وما في منوالها من التعبيرات الدالة على اجتهاد ثانوي يساوي في العرف العام “اللا نص”.

كم هو بئيس عمل ناقد الرواية وجالب للهم، عزيزي القارئ، لهذا أتفهم ذلك النزوع الشفوي الذي يركب عددا كبيرا من نقاد هذا الجنس التعبيري حين يدعون للحديث عن نصوص بذاتها، حيث يرتجلون أحاديث في كل شيء، يحومون حول العتبات والبنيات والشخصيات والفضاءات والمنظورات والصيغ والتراكيب، دون أن يقولوا الشيء الأساس الذي أتقن قوله الروائي، أتعاطف معهم، بكل صدق، وأشفق عليهم في آن.

تبادرت إلى ذهني كل هذه الأفكار وأنا بصدد صياغة مقال جديد عن أعمال رسام مغربي، فالكتابة عن المنحوتة واللوحة وما يتصل بهما من مشاغل وأصباغ وأقمشة وألواح وحديد… محطة نقاهة بالنسبة إلي، جعلتني لا أخضع خضوعا تاما لعالم الرواية الشيطاني، فأن تكتب عن لوحة يشبه أن تعترف بغرام جهنمي لامرأة تنتظر بصبر أن تفك عقدة لسانك، لا يحتمل الأمر تفسيرا وتمطيطا وتزيدا في التعليل، أسطر قليلة حقيقية تكفي لتحويل صعقة العين لحبيبات معنى، سرعان ما تطبع على ورق صقيل برفقة صور أخاذة، مع وصف لكتابتك بـ”نص”، فجمهور المعارض غالبا ما يبحث في اللوحات عن كلمات، ولا يستوعب المعنى إلا عبر ترجمة الألوان والتخطيطات والكتل الحسية إلى تجريدات حروفية. يطالب هذا الناظر دوما بنص، سيكون هو ذلك الذي تكتبه أو يكتبه آخرون للوساطة بين متلبّكين وحيارى وعمق الأعمال الممنوحة لحاسة البصر.

وذات يوم أحس ماريو بارغاس يوسا أن هذا المغنم المعنوي النفيس لا يمكن أن يترك للنقاد، ممن يجب أن يكتفوا بتلفيق المراجعات، فكتب عمليه الآسرين: “امتداح الخالة” و”الفردوس على الناصية الأخرى” محولا الرواية إلى فن لمحاورة اللوحات، كان في نصيه معا روائيا، وقيم معارض، وناقدا فنيا، ومناورا كبيرا، يعلن مجددا لكل المتحذلقين أن الرواية تستغني بذاتها عما سواها، وأنها النص الذي يقول وحده كل شيء… كل شيء.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

:: اختيارات المحرر