الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

الاحد 30 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10618

أفلام وأرانب

كان المخرج الراحل يوسف شاهين مصابا لفترة طويلة من الزمن بما يمكن أن نطلق عليه “عقدة باب الحديد”، وكان يروي ويكرر الرواية كثيرا دون ملل، وكيف أن الجمهور 'صق على وجهه' في ليلة العرض الأول.

العرب أمير العمري [نُشر في 2016/11/23، العدد: 10464، ص(16)]

في تاريخ السينما أفلام كثيرة واجهت الفشل الجماهيري أو النقدي، ثم عادت لتتبوأ مكانة بارزة في تاريخ السينما ببلدانها، ومنها أفلام أصبحت من “الأيقونات” التي يعشقها المولعون بالسينما ويتداولونها حتى بعد سنوات من عروضها الأولى، كما أصبحت تلقى التقدير من جانب نقاد السينما في العالم.

كان المخرج الراحل يوسف شاهين مصابا لفترة طويلة من الزمن بما يمكن أن نطلق عليه “عقدة باب الحديد”، وكان يروي ويكرر الرواية كثيرا دون ملل، وكيف أن الجمهور “بصق على وجهه” في ليلة العرض الأول لفيلمه الشهير “باب الحديد” (1957)؛ فقد رفضه الجمهور ورفض الفيلم الذي كان قد ظهر فيه أيضا كممثل أمام هند رستم.

وبعد مرور سنوات، أصبح هذا الفيلم من أحب الأفلام إلى جمهور السينما المصرية داخل وخارج مصر، بل وأصبح شهادة على براعة مخرجه، وأصبح يعرض باستمرار على شاشة التلفزيون، ولا يزال جمهور السينما من الشباب الذين لم يعاصروا الفيلم خلال عروضه الأولى في الماضي، يتناقلون الكلمات المأثورة التي ترددت في هذا الفيلم، ويستخدمونها -كما يفعلون كثيرا- في سياق آخر بالطبع قد يكون في معرض التعليق السياسي أو السخرية من ظاهرة اجتماعية معينة، أي أن الفيلم أصبح ببساطة، من أيقونات السينما العربية.

وفي السينما الأميركية التي تعد الأكثر انتشارا وشعبية في العالم، ظهرت أفلام لم تحصد سوى الفشل، ولكنها نهضت فيما بعد لتصبح من أهم الأفلام في تاريخ السينما، كما هي حالة فيلم “المواطن كين” لأورسون ويلز، الذي رفضه الكثيرون عند عرضه عام 1941 بسبب حبكته المعقدة وأسلوب مخرجه الذي لم يكن مألوفا، وإن كان السبب الرئيسي الذي عرف بعد ذلك، يرجع إلى أن المليونير الأميركي وليم هيرست -إمبراطور الصحافة والإعلام- أمر كل وسائل الإعلام التي كان يمتلكها، بعدم التطرق إلى هذا الفيلم بأي صورة من الصور، وهو ما حرم الفيلم من دعاية غير مباشرة، وجعل الكثيرين لا يعرفون شيئا عنه سوى بعد مضي سنوات.

كان الدافع وراء موقف هيرست اعتقاده -وهو صحيح دون شك- أن الفيلم يعتمد في بناء الشخصية الرئيسية الشريرة، على شخصية هيرست نفسه، كما جاء الفيلم صادما لجمهور كان لا يزال يتشبث بفكرة براءة ونقاء الحلم الأميركي.

أما فيلم “تكفير في شوشانك” (1994) فقد فشل فشلا ذريعا في سوق السينما ولم يحقق سوى 16 مليون دولار، بينما تكلف إنتاجه 25 مليون دولار، ويرجع الفشل إلى عنوانه الغريب الذي لا يروق لجمهور السينما، فمن الذين كان يرغب في الذهاب إلى دور السينما لمشاهدة فيلم عن شيء يدعى “شوشانك” لم يكن أحد يعرف ما هو؟ وما معنى التكفير هنا؟ وكان المقصود من العنوان “التكفير عن الذنب في سجن شوشانك”، ولكن الفيلم عاد بعد أن أصبح متاحا على شرائط الفيديو ليتصدر قائمة الأفلام التي يستأجرها عشاق السينما، ثم أصبح من أكثر الأفلام شعبية في تاريخ السينما الأميركية.

ومن الأفلام التي اشتهرت بعد فترة من عرضها، فيلم “برازيل” لتيري غيليام الذي أصاب شركة “يونيفرسال” التي أنتجته، بالغضب ورفضت أن تعرضه ثم قامت، تحت ضغوط من الصحافة بتعديل بعض مشاهده ونهايته بوجه خاص، قبل أن تعرضه في الأسواق ليصبح من أكثر الأفلام شعبية حتى اليوم.

وكان المخرج المصري الراحل حسين كمال صاحب الثلاثية السينمائية البديعة (المستحيل، شيء من الخوف، البوسطجي) كثيرا ما يكرر في أحاديثه للإعلام، كيف أنه ذهب لمشاهدة فيلمه “البوسطجي” مع الجمهور في سينما “الشرق” بحي السيدة زينب الشعبي في القاهرة، ليرى بعينيه كيف أن الجمهور “مزق الشاشة”، حسب قوله، وقد أصبح “البوسطجي” (1967) رغم هذا الاستقبال الجماهيري السلبي، من كلاسيكيات السينما المصرية، ولكن حسين كمال كان قد قرر بعده مباشرة، أن يخرج الأفلام التي ترضي الجمهور، فصنع “أبي فوق الشجرة”، وبعده توالت أفلام الأشجار والأفواه والأرانب والمساطيل!

ناقد سينمائي مصري مقيم في لندن

أمير العمري

:: مقالات أخرى لـ أمير العمري

أمير العمري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر