الخميس 23 فبراير/شباط 2017، العدد: 10552

الخميس 23 فبراير/شباط 2017، العدد: 10552

أحلام يقظة

قوة الإنسان في أن يحلم أحلام اليقظة وأن يعيشها بوجدانه ليصنع مصيره الذي يطمح إليه، فأحلام اليقظة هي الغذاء الذي تنتعش به الطاقات الخفية والقوى التي تحقق المعجزات.

العرب الحبيب الأسود [نُشر في 2016/11/23، العدد: 10464، ص(24)]

مما رواه الصحافي والدبلوماسي الفرنسي الراحل، أريك رولو، أنه كان صديقا لأبي الحسن بني الصدر، المعارض الإيراني في باريس، وقد سمع منه زمن كان الشاه في أوج قوته، أنه سيصبح رئيسا لإيران، وأن والدته هي التي حدثته بذلك منذ أن كان طفلا، وفعلا، عاد بني الصدر إلى طهران بعد الإطاحة بالشاه في العام 1979، وتولى حقائب وزارية قبل أن ينتخب رئيسا في يناير 1980، ويقول رولو إنه سافر إلى إيران ليرى صديقه وليطلب منه أن يستضيفه بمنزل أسرته حتى يلقي التحية على الأم التي تنبأت لولدها بالرئاسة فوصل إلى سدتها، وإن لم يستمر في ذلك طويلا.

وروى لي أحد معارف المنصف المرزوقي الذي تولى رئاسة تونس من أواخر 2011 إلى آخر يوم في 2014، أنه كان يتحدث لأصدقائه بأنه سيجلس على كرسي الحكم في قصر قرطاج، وعندما رجع إلى تونس بعد أيام قليلة من الإطاحة بنظام بن علي، صرح في المطار بأنه عاد ليكون رئيس البلاد، وقد صدقت نبوءته، ونجح في أن يكون رئيسا بسبعة آلاف صوت انتخابي لا أكثر.

الرئيس العراقي صدام حسين تنبأ بأنه سيستشهد يوم عيد الأضحى، ثم حدث ذلك في 30 ديسمبر 2006 الذي صادف عيد الأضحى، والعقيد معمر القذافي قال في فبراير 2011 إنه سيموت شهيدا في أرض أجداده، ثم قتل في سرت التي ولد وترعرع فيها في 20 أكتوبر من العام ذاته، والرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات كان يقول “شهيدا شهيدا شهيدا” فرحل شهيدا كما توقع، وزين العابدين بن علي، الذي حكم تونس لمدة 23 عاما، كان يخفي خوفه من أن يطاح به من قبل مقربين منه كما أطاح هو نفسه بالرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة، فصدق حدسه وخانه المقربون منه.

والباجي قائد السبسي كان قريبا من بورقيبة وكان يطمح إلى أن يجلس على كرسيه ذات يوم، فامتد به العمر وجرت التحولات بما اشتهى ليصبح رئيسا وهو على عتبات التسعين من عمره، والعماد ميشيل عون قال إنه سيعود إلى قصر بعبدا الذي أطرد منه في 13 أكتوبر 1990 فعاد إليه في 31 أكتوبر 2016، وحتى الرئيس الأميركي الجديد، دولاند ترامب، قال قبل 20 عاما وهو نجم تليفزيوني إنه سيصل إلى كرسي الرئاسة في البيت الأبيض، ووصل.

هذه نماذج فقط، ولكن الأكيد أن الإنسان هو من يصنع مصيره إذا عرف كيف يستثمر قدراته الخارقة الكامنة فيه، والتي يجهل أغلب الناس أنها موجودة، قدرات ليست حكرا على شخص أو جنس أو ملّة أودين أو عقيدة أو ثقافة أو زمان أو مكان، وإنما هي ملك لمن يكتشفها، فيستثمرها إما إيجابا أو سلبا، والإيجاب يتحقق بشروط التعامل مع تلك القدرات، أما السلب فيتحقق بنتائج جهلها والعجز عن إدراك خطورة إهمالها أو تجاهلها.

قوة الإنسان في أن يحلم أحلام اليقظة وأن يعيشها بوجدانه ليصنع مصيره الذي يطمح إليه، فأحلام اليقظة هي الغذاء الذي تنتعش به الطاقات الخفية والقوى التي تحقق المعجزات، وما حدث مع بني الصدر كان نتاج حلم يقظة زرعته والدته في عقله الباطن فتحقق ذات يوم.

الحبيب الأسود

:: مقالات أخرى لـ الحبيب الأسود

:: اختيارات المحرر