الثلاثاء 19 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10756

الثلاثاء 19 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10756

جنون الاستقبال

يهمني جنون استقبال القمر، والدفء الذي دسه في روحي كبصيص من سحر مغناطيسي ارتفع بمنسوب لا يقاس بالسنتيمترات ليهمس في أذني مأذونا له.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/11/25، العدد: 10466، ص(17)]

تذكر بعض المصادر العلمية أن موقع القمر يؤثر على كل العناصر السائلة على سطح الأرض مثل حركة المد والجزر على شواطئ البحار، وصولا إلى سوائل أجسام البشر.

ويُعرف آنذاك سلوك الإنسان المتأثر بإزدياد نسبة الماء في جمجمته “بجنون الاستقبال”، حتى أن بعض المصادر أكدت أنه خلال فترة الإستقبال تلك تكثر النزاعات بين الناس، وتزداد حوادث السير، كما لاحظ الأطباء أن احتمال وقوع نزيف حاد خلال العمليات الجراحية يكون أكبر في هذه الفترة.

قد يكون هذا الكلام مجرد مقولات لا أساس لها من الصحة العلمية، ولكن ذلك لا يعني أنه لم يعد هناك متسع للأسطوري بأن يحل ضيفا كريما على البشر، وهم في غمار زمن مادي يفتقر أكثر فأكثر إلى كل ما لا يمت إلى العلم والتكنولوجيا بصلة، ولعل ظاهرة ترقب العالم ظهور “القمر العملاق” في السماء ليلة 14 نوفمبر كانت من أكبر الدلائل على ذلك.

أما ماهية هذا القمر فلم يعد أحد على هذه الأرض لا يعرف البعض من حقائقه، نظرا للتغطية الإعلامية العالمية المستفيضة لحدوثه أو ظهوره، ولانتشار صوره والتعليقات حوله على مختلف مواقع التواصل الاجتماعي.

باختصار شديد، القمر العملاق هو المكتمل حين يكون في أقرب مسافة له من الكرة الأرضية، وبالتالي تأثيراته أشدّ وطأة من أطوار القمر الأخرى، كما يبدو عملاقا لكونه منيرا أكثر وأكبر من حجمه الطبيعي بـ14 بالمئة، ويتزامن، حسب المعلومات المذكورة عنه، مع طبيعة قاسية ربما تجلب سيلا من الفيضانات والزلازل والانهيارات أو البراكين وغيرها من المظاهر غير الطبيعية كالحروب وأعمال العنف.

هذه النزعة الترويجية لطلّة هذا القمر على البشرية تزامنت مع موجة كتابات مختلفة تماما سعت إلى إبهات ضياء القمر العملاق وتحجيم ضخامته.

استحضر هذا القمر “المرجوّ” حضوره إلى زنزانة الاعتراف والتقصي العلمي من قبل قضاة العلم والحقائق البحتة، هذا إذا ما آمنا جدلا بأنه ثمة على هذه الأرض الهشة ما يمكن نعته بالـ”الحتمي” والبحت.

لم يُنصب لهذا القمر أي محامي دفاع إلاّ الخيال البشري، خيال هو الآخر ذو حضور مهمش، لا سيما بسبب تهمة الشاعرية الملتصقة به والمغضوب عليها.

تتالت أسئلة من هذا النوع: هل هو عملاق فعلا؟ هل هو أكثر نورا من غيره؟ هل لم ير في السماء منذ حوالي 70 سنة؟ هل فعلا له تأثيرات غرائبية على سلوك البشر وعلى مد البحر وجزره؟ مع العلم أن حركة البحار هذه هي شعرية بقدر ما هي علمية.

مشكورة هذه النزعة والدعوة إلى العقلانية، وكيف لا والعالم يشهد يوما بعد يوم، وليس كل 70 سنة، انتشال أطفال/أقمار من تحت ردم المنازل المقصوفة ويصار نقلها إلى مستشفيات ميدانية، حيث تخفت أنوارها وتختفي كما تختفي الأقمار تحت السحب السوداء.

كل ما عرفته هو أنني خرجت من مكان عملي لأرى هذا القمر أمامي بالصدفة تحت قشرة خفيفة من الغيوم، التقطت صورة سريعة ورديئة له ليلتها، لأرسلها وللمفارقة، لأحد الأصدقاء المحترفين في فن التصوير.

لم يهمني ذلك البتة، لم يهمني كيف “أخذت” الصورة، أردت الاحتفاظ ولو للحظات بصورة تذكرني بما ليس هو عليه، لتحيلني إلى ما هو الأقرب إلى خيالي وخارج عن طوعي وليس بجواري، ربما على النحو الذي قام به العديد من الفنانين التشكيليين والسينمائيين.

لا يهمني إن كان العلم يقول إن تأثيرات القمر على رفع منسوب المد في المحيطات هو تأثير بسيط غير مرئي ويقاس عادة بالسنتيمترات، لا تهمني الحقيقة البتة، ولا يهمني إن كان ما رأيت حدث فعلا.

يهمني جنون استقبال القمر، والدفء الذي دسه في روحي كبصيص من سحر مغناطيسي ارتفع بمنسوب لا يقاس بالسنتيمترات ليهمس في أذني مأذونا له، كما في قصيدة “حانة الأقدار” للشاعر عبدالوهاب البياتي المسكون بالسفر والحب والحلم والرحيل وألم المنفى والشتات، والتي تقول “القمر الأعمى ببطن الحوت/ وأنت في الغربة لا تحيا ولا تموت/ نار المجوس انطفأت/ فأوقد الفانوس/ وابحث عن الفراشة/ لعلها تطير في هذا الظلام الأخضر المسحور”.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر