الخميس 19 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10517

الخميس 19 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10517

الجيش الإقليمي الطائفي العابر للحدود والقوانين الدولية

بتشريع قانون الحشد الطائفي في العراق تكون مرحلة إنشاء الجيش الإقليمي الطائفي اكتملت تشكيلاته الأساسية العابرة للحدود الدولية وبمواصفات متطابقة للحرس الثوري الإيراني وبإشراف وتخطيط قادته.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2016/11/26، العدد: 10467، ص(9)]

من المتوقع أن تشهد جلسة السبت لمجلس النواب العراقي التصويت على قانون الحشد الشعبي، الذي شهد في الأيام الأخيرة ازدحاما لنواب الكتل الطائفية الداعمة على أبواب القنوات الفضائية للتصريح أو الإدلاء بمانشيتات مسبقة مفادها ليس التصويت إنما التأكيد على أن الجلسة ستشهد إقرار قانون الحشد الشعبي، أي أن التصويت محسوم شاء من شاء وأبى من أبى.

لا يجدون مبررا لإخفاء حماستهم “لتفويت الفرصة وقطع ألسن كل من يسيء للحشد الشعبي ويتهمه بالولاء الطائفي أو الانتماء إلى أهداف وغايات إقليمية” وبهكذا دفاع ووصف تغدو الاستماتة طبيعية لصناعة غطاء قانوني لحشد الفتوى الطائفي الذي اتسع برحابة صدر ليضم الميليشيات والمجموعات المسلحة وهي بالعشرات، كما جاء في حديث سابق للقائد العام للقوات المسلحة حيدر العبادي، رئيس وزراء العراق، مع إصراره الإعلامي على عدم مشاركة قوات الحشد الشعبي في معارك الموصل والاكتفاء بمهمة العزل والتطويق.

على بعد 2 كم من مدينة تلعفر، مازال العبادي يردد أن قوات الجيش والشرطة الاتحادية هي فقط من ستخوض معركة استعادة تلعفر من تنظيم داعش؛ في الوقت الذي بدأت فيه القذائف تنهمر على المدنيين وأرغمتهم على الهروب تحت جنح الليل باتجاه واحد سمح به داعش إلى الجزيرة المفتوحة في ظروف جوية قاسية.

يعود بنا حديث العبادي إلى سنوات طويلة من الالتفاف على الأعراف العامة لواجبات الجيش أو الشرطة الاتحادية التي ارتُكبت بأزيائها وعرباتها وأسلحتها أخطر عمليات الاغتيالات والمداهمات والسرقات المصرفية والمساومة المالية والسياسية والاختطافات المرتبطة بإيران كقضايا المخطوفين من الرعاية العاملين في المنظمات الدولية أو المكلفين بالتدريب المهني وفقا لمتطلبات حكومية.

لا ضمانات بما يقدمه العبادي والخروقات حصلت وتتفاقم في تلعفر بالذات وغيرها إن مباشرة في وضح النهار أو في ثنايا المناورات وجميعها تصب تنفيذا للأوامر العليا الصادرة من قادة الحشد، ولا تقف في طريقها مخاوف التركمان وجبهتهم السياسية وتحذيراتها من تكرار جرائم التنكيل بالمكونات كما في اقتحام المدن الأخرى لإخراج داعش منها أو سيناريو الاشتباكات لتغليب طائفة على طائفة أخرى حتى ضمن المكون نفسه، وتلك مخاوف العرب أيضا.

اللهاث في البرلمان لإقرار قانون الحشد الشعبي يتناسب مع المسافة الزمنية المتبقية من الدوافع السياسية لحكومة المالكي التي لم تكتفِ خلال 11 عاما من احتلال العراق وبعد حجم الأموال المصروفة وهي بالمليارات مع المساعدات الأميركية في التسليح والتدريب وبوجود فرق عسكرية متقدمة في تجهيزاتها، إلا أنها عجزت عن صد مجموعة أفراد بعربات مكشوفة مزودة بأسلحة رشاشة وهجمات انتحارية عرفت بها المنظمات الإرهابية، والذين تمكنوا خلال ساعات من إسقاط مدينة الموصل والعبث بكل مقدراتها والاستحكام فيها لمدة سنتين ونصف السنة استطاعوا أثناءها حفر الأنفاق الطويلة للاحتماء بها وترصين دفاعاتهم وأساليبهم مما أدى إلى صعوبة إخراجهم وتكليف المدنيين الموت والرعب والتجويع وإطالة أمد المعركة بتكاليفها المادية وخسائرها البشرية التي لو استخدمت أجزاء بسيطة منها في الدفاع عن الموصل والثبات في القتال لما تطلب الأمر هذا العناء والجهد والدماء لتحريرها.

الدوافع السياسية المبيتة لإرخاء الحبل للإرهاب وعدم مجابهته وفق السياقات العسكرية لكل واجبات الدفاع في جيوش العالم هي ما أساء لدور الجيش النظامي المدرب على القتال وشرع للفتوى الطائفية بحجة إيجاد حشد شعبي لمساندته في دلالة لضعف المؤسسة العسكرية وإخفاقها في أداء واجباتها.

فتوى محددة ومقننة بإفشال الإرهاب توسعت إلى ميزانية مالية ضخمة وتسليح بالدبابات والمدرعات والمدفعية والآليات المختلفة والاستعانة بقادة الميليشيات التي حاربت العراق وجيشه مع القوات الإيرانية في حرب الثماني سنوات وضم كافة المجموعات المسلحة وتوجتها بتعيين قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني مستشارا رسميا لقضايا الأمن في رئاسة مجلس وزراء العراق؛ الفتوى تنتهي صلاحيتها المعلنة مع القضاء على الإرهاب في العراق. ومعركة الموصل واندحار داعش تعني ضمنيا حل حشد الفتوى الطائفي.

إقرار قانون الحشد الشعبي في مجلس النواب في حقيقته مكيدة سياسية تستغل المرجعية كالعادة كما فعل المالكي بعد سقوط الموصل 2014 لإخراجها من صمتها رغم إعلانها الدائم عن عدم تدخلها إلى جانب أي طرف سياسي والأكثر عدم استقبالها أي وفد لعدم وفاء الحكومة والسياسيين بوعودهم؛ الآن صار لزاما على الكتلة الطائفية الأكبر في البرلمان الضغط لتمرير القانون بما يعني إلغاء الفتوى وانتهاء مفعولها مع استمرار الحشد الطائفي بكل عناصره في صفوف الجيش النظامي، وتلك مرحلة جديدة.

سيمرر القانون ربما دون حاجة إلى مقايضات لتمرير قوانين أخرى متوقفة تماما وتشكل نواة أو جوهر الخلافات في أي وثيقة مصالحة أو تسوية، والمناكفات والإصطفافات الطائفية المعلنة وصلت إلى حد اتهام الكتل الأخرى بالتفجيرات الأخيرة في بغداد وغيرها كرسائل رفض لإقرار القانون، رغم أن الوقائع وما عثر عليه في اليمن من أدلة موثقة بالصوت والصورة أثبتا أن العنف لا يقتصر على جهة داعش أو القاعدة فقط إنما هو أفعال إرهابية تنتمي أيضا إلى مدرسة الملالي، وهي مدرسة الإرهاب الأول الذي جربناه في العراق منذ مجيء الخميني إلى السلطة في إيران عام 1979.

الملاحظة التي نسجلها هي مفارقة تزايد الهجوم الصريح على الجيش النظامي، رغم المندسين فعلا منذ بداية الاحتلال إلى صفوفه من المنظمات الميليشياوية المعروفة، وذلك ليس سرا إنما هو جزء من تفاهمات الدخول بالعملية السياسية للاحتلال والانتقال من العمل المسلح بدمج العناصر المتبقية العاطلة عن العمل بالجيش الجديد والشرطة الاتحادية.

والهجوم على الجيش يتوافق مع رغبتهم في إقرار قانون للحشد لخلق أغلبية طائفية في ظنهم أن الجيش النظامي يفتقدها لأن مكوناته من كل الطوائف والمذاهب والقوميات؛ أي أننا بصدد جيش طائفي وليس حشدا فيه مجموعة من الطوائف والقوميات الأخرى بنسب.

بتشريع قانون الحشد الطائفي في العراق تكون مرحلة إنشاء الجيش الإقليمي الطائفي لولاية الفقيه اكتملت تشكيلاته الأساسية العابرة للحدود الدولية وبمواصفات متطابقة للحرس الثوري الإيراني وبإشراف قادته.

لبنان استعرض حرسه الثوري بدباباته وآلياته وهدايا وليه في القصير السورية، ومعه أعلن الجيش النظامي في سوريا تشكيل فيلق اقتحام 5 من المتطوعين ومنهم الراغبون بترك وظائفهم الحكومية والرسمية وبنفس الراتب المدني. وسبق ذلك بعام تشكيل فيلق اقتحام 4 وجميعها مؤشرات على خسائر الجيش الكبيرة في الأفراد، وكذلك على طمس الهوية الوطنية للجيش في صبغة الجيش الإقليمي، أما اليمن فيكفينا استعراض القوات المناوئة للشرعية بأزياء الحرس الثوري الإيراني.

أيا كانت التسميات فجيش التحرير الطائفي الذي أعلن عنه خامنئي لم يعد مجرد فكرة مسجاة في صالة إنعاش المشروع الإيراني، إنما هو جيش إقليمي مصاب بعمى التعصب للإرهاب “المقدس” وفرضه كحقيقة مطلقة أو كذبة كبرى أو مولود في برلمان أخرس لا ينطق إلا بعار الاحتلال وشتائم متبادلة بين اللصوص.

كاتب من العراق

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر