الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

الاثنين 27 مارس/اذار 2017، العدد: 10584

شرق المتوسط أيضا

الاشتباك العسكري والثقافي الذي وسم علاقة شرق المتوسط بغربه ساهم في ظهور عدد من الثنائيات المتقابلة، حاولت أن تكرس نفسها في الوعي الجمعي كحقائق نهائية.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2016/11/29، العدد: 10470، ص(15)]

ما من بحر في العالم حظي بالأهمية التاريخية والحضارية كما البحر الأبيض المتوسط. أسباب هذه الأهمية لم تأت من الجغرافيا التي جعلته يتوسط ثلاث قارات وحسب، بل من أقدم الحضارات التي نشأت على سواحله شرقا وجنوبا وشمالا، كالفرعونية والفينيقية والإغريقية والرومانية والأندلسية، وجعلت بالتالي الجغرافيات المحيطة به مجالا حيويا للنفوذ والتوسع وانتشار الثقافات.

كل هذا جعل العلاقة بين ضفافه المتقابلة تاريخيا، هي علاقة صراع على الأغلب، لكنها لم تمنع أن يكون البحر صندوق بريد رسائل حب أيضا، تجاوزت في بعدها الحضاري والإنساني علاقة السيطرة والإخضاع، نظرا لتوفر أساس حضاري سابق كان، يؤثر ويتأثر بالحضارة المهيمنة، ما ساهم في اغتناء الثقافات والعلوم والأساطير وارتحالها في جميع الاتجاهات. الأساطير التي نشأت على سواحله، جعلت من تاريخه مزيجا من الأسطورة والتأريخ، ومن ملوكه جزءا من هذه الأساطير.

لقد ساهم هذا الاشتباك العسكري والثقافي الذي وسم علاقة شرق المتوسط بغربه، في ظهور عدد من الثنائيات المتقابلة، حاولت أن تكرس نفسها في الوعي الجمعي كحقائق نهائية، مثل مقولة الشرق والغرب لا يلتقيان، وإضفاء طابع جنساني على هذه العلاقة، مع حمولة رمزية تعكس في أبعادها المختلفة العلاقة المختلة ثقافيا وحضاريا بيننا وبينهم.

رواية عبدالرحمن منيف الشهيرة شرق المتوسط، كسرت هذا النمط من العلاقة، عندما منحتها بعدا جديدا، تجلى في ثنائية الشرق كرمز للاستبداد والقمع، والغرب كرمز للحرية والكرامة. وتبلغ هذه العلاقة ذروة معناها التراجيدي مع وصول بطل الرواية إلى أرض الغرب، وقيامه بتمزيق جواز سفره، لتصفية أي علاقة تربطه بالشرق وبتجربته القاسية التي عاشها في معتقلات الاستبداد ووحشية نظامه.

لكن هذه الرمزية التي حملها المتوسط كجسر للعبور نحو عالم الحرية والخلاص سوف تفقد معناها، مع قوارب موت الهاربين من جحيم الحروب والاستبداد، إلى موت ينتظرهم في أعماق هذا البحر، دون أن يعترف أحد بحقهم في الحياة والكرامة والأمان بعد أن تحول من نجا منهم إلى طرائد تائهة في مجاهل غاباته المخيفة وعلى حدوده المسيجة بالكراهية.

لكن المفارق والغريب أن هذه الظاهرة غير المسبوقة في عصرنا الحديث رغم فداحتها ومدلولها وفصولها التراجيدية، لم تنل حقها من الاهتمام الروائي العربي، حتى من قبل الكتاب الذين عايشوا قسوة هذه التجربة ورعبها وخبروا تفاصيلها أو عايشوا ضحاياها عن قرب. من المؤكد أن أبطال هذه الروايات سوف يقفون على ضفاف شرق المتوسط، وهم يحملون جثث أهلهم وأحبتهم، ويصرخون بالعالم وببطل شرق المتوسط على أرض سوف نجد كبشر الحرية والكرامة والحياة.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر