الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

الاثنين 23 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10790

من يتذكر منير مراد

منير مراد له المئات من الألحان والاستعراضات الغنائية وموسيقى الرقصات التي رقص عليها عدد من أشهر الراقصات في تاريخ الرقص الشرقي مثل سامية جمال وتحية كاريوكا ونعيمة عاطف وغيرهن.

العرب أمير العمري [نُشر في 2016/11/30، العدد: 10471، ص(16)]

في خمسينات وستينات القرن الماضي كان هناك عبقري اسمه منير مراد، يغني ويمثل في الأفلام السينمائية، ولحن الأغاني لكبار المطربين. هذا العبقري متعدد المواهب لم ينل ما كان يستحقه من اهتمام وتقدير، فقد ظهر في عصر العمالقة، وكانت شقيقته ليلى مراد من علامات الطرب الكبرى في ذلك الزمن. كان العصر هو عصر عبدالوهاب وأم كلثوم وأسمهان وفريد الأطرش وعبدالحليم حافظ ومحمد فوزي ورياض السنباطي والقصبجي وعبدالعظيم عبدالحق ومحمد الموجي وكمال الطويل وكثيرون غيرهم.

ومع ذلك، ترتبط قصة منير مراد قطعا بما لاقته ليلى مراد نفسها من ظلم وتعنت دفعاها إلى اعتزال الغناء مبكرا، كان الفكر القومي قد أصبح طاغيا في تلك الفترة، ومعه ظهرت بعض النزعات إلى “محاكمة” كل من يختلف مع التيار السائد. وتعرض اليهود المصريون في تلك الفترة للملاحقة المستمرة والضغوط، فقد نُظر إليهم بعين الريبة والتشكك مع تصاعد الصراع العربي-الإسرائيلي، رغم أن معظمهم كان قد رفض أصلا فكرة الهجرة إلى فلسطين، وفضلوا البقاء في “الوطن” الذي كان قد ترسخ فيه -قبل 1952- مبدأ الانتماء الوطني أو “الوحدة الوطنية” أحد مكاسب ثورة 1919 الشعبية.

وكانت تلك الضغوط سببا مباشرا في رحيل أعداد كبيرة من اليهود المصريين، بعد أن كانوا يقومون بنشاط بارز في المجال الاقتصادي. تعرضت ليلى مراد وشقيقها منير للكثير من المضايقات، وصلت إلى التشكيك في وطنيتهما، وتم التحقيق مع ليلى مراد بتهمة التبرع لإسرائيل التي كانت تهمة زائفة بالطبع، وكان كل ما حدث السبب المباشر في قرارها الاعتزال، وهي في قمة مجدها الفني عام 1956.

أما منير مراد الذي كان يصغر شقيقته بأحد عشر عاما، فقد استمر يشق طريقه في مجال التلحين الغنائي فقدم ألحانا رائعة لعبدالحليم حافظ وفائزة أحمد ونجاح سلام ومها صبري ومحرم فؤاد وهدى سلطان ومحمد رشدي ووردة الجزائرية وهاني شاكر. وعرف بألحانه الخفيفة الرومانسية التي اشتهرت بوجه خاص في”الدويتو” (أو الثنائي الغنائي) الشهير الذي جمع بين شادية وعبدالحليم حافظ في فيلم “لحن الوفاء” الذي أخرجه إبراهيم عمارة قبل أن يتجه في ما بعد إلى الأفلام الدينية ويتخذ مظهرا صوفيا في حياته.

كانت تلك الأغنية العبقرية البسيطة التي كتب كلماتها الشاعر الغنائي فتحي قورة، بليغة في ابتكارها الحوار بين شاب وفتاة يتناجيان بالحب، ولكن بأسلوب مستتر عن طريق التساؤل الذي يخفي المعنى ويظهره في نفس الوقت، وكلما شاهدتها اليوم ورأيت كيف أداها حليم وشادية، لا أملك سوى الشعور بالإعجاب الشديد مما كانت قد وصلت إليه “الأغنية السينمائية” من ناحية الإيقاع والتعبير الشعري بالصورة، مع القدرة على ضبط الانتقال في اللقطات مع ما تحمله الكلمات والموسيقى من مشاعر.

منير مراد له المئات من الألحان والاستعراضات الغنائية وموسيقى الرقصات التي رقص عليها عدد من أشهر الراقصات في تاريخ الرقص الشرقي مثل سامية جمال وتحية كاريوكا ونعيمة عاطف وغيرهن. وقد عمل أيضا مساعدا للإخراج في أكثر من 140 فيلما، وكان يمكنه بالتالي أن يصبح -إذا أراد- مخرجا سينمائيا أيضا بحكم التجربة والخبرة العميقة المكتسبة في عصر من أزهى عصور السينما المصرية.

شارك منير مراد أيضا بالتمثيل في عدد من الأفلام السينمائية مثل “أنا وحبيبي” أمام شادية عام 1953، و”نهارك سعيد” (1955)، ولكنه توقف مثل شقيقته عن العمل في السينما بعد ما تعرض له عام 1956 من مضايقات واستجوابات، بعد أن كانت “البارانويا” الناصرية قد بلغت ذروتها بعد تأميم القناة. ولم يعد منير إلى السينما إلاّ بعد تسع سنوات من الاستعراض الغنائي الذي قدمه في فيلم “بنت الحتة” من إخراج حسن الصيفي. رحم الله منير مراد الذي أثرى حياتنا بألحانه، والذي رحل عن الحياة عام 1981، أي قبل وفاة شقيقته بأربعة عشر عاما.

ناقد سينمائي مصري مقيم في لندن

أمير العمري

:: مقالات أخرى لـ أمير العمري

أمير العمري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر