الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

الجمعة 24 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10822

رانيا مطر: روائية لغتها الصور الفوتوغرافية

  • عرضت المصورة اللبنانية المولودة في لبنان والمقيمة في الولايات المتحدة الأميركية، رانيا مطر، في معرضها الأخير برواق “جانين ربيز” ببيروت مجموعة من الصور الفوتوغرافية الملونة تحت عنوان “الطفلة-المرأة”، والتي لم تخرج عن إطار عمل المصورة النفسي/الاجتماعي الذي اشتهرت به، وهو يتمحور بشكل خاص حول النساء والفتيات الصغيرات في مواجهتهن لذواتهن وتفاعلهن مع بيئتهن الاجتماعية والسياسية.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/12/02، العدد: 10473، ص(17)]

في انتظار النضوج

بيروت – قدمت صالة “جانين ربيز” البيروتية معرضا للصور الفوتوغرافية للمصورة اللبنانية رانيا مطر، تحت عنوان “الطفلة-المرأة”، وفيه جعلت الفنانة من جميع تلك الصور مدخلا توثيقيا إلى عوالم الفتيات المكتظة التي لم تختبر بعد السكن إلى حالة، أو “منهج” واحد، إذا صحّ التعبير.

الصور الفوتوغرافية المعروضة هي تجل لما يعتمل في نفس أولئك الفتيات من عدة مشاعر متعارضة وأفكار متقلبة وتصورات ورغبات مختلفة لم تعرف بعد.

تبرز الصور فتيات لم يصلن بعد إلى عمر المراهقة، أي هن ما بين الثامنة والثالثة عشرة من أعمارهن، ولم تذكر المصورة أي معلومة عنهن غير أعمارهن وأسمائهن في تأكيد على عدم أهمية الجنسية أو الخلفية الاجتماعية. أخذت هذه الصور في أماكن مختلفة، من مدينة بوسطن وبيروت وصولا إلى المخيمات الفلسطينية في لبنان، المهم بالنسبة إلى رانيا مطر كان التركيز على ما يجمع أولئك الفتيات مع بعضهن البعض، وهو أنهن جميعا في عمر ما قبل المراهقة.

من هذه الزاوية تماما انطلقت المصورة نحو محاولة سايكلوجية/فنية لرصد ما يمكن أن تشعر به، أو تفكر فيه، أو تريد أن تعبر عنه أو تنسبه إلى ذاتها أي فتاة في هذه المرحلة العمرية الدقيقة، حين تحتدم التحولات وتدخل الشكوك والتساؤلات وتتكون المبادئ الأولية “لليقينيات”.

من الواضح أن ما أرادت المصورة التعبير عنه ليس التقاط زيف التمظهر أمام الكاميرا، وإلاّ لكانت اعتمدت مبدأ “السيلفي” القائم على طلب من أولئك الفتيات الوقوف والابتسام ريثما تأخذ لهن صورا “جميلة” تظهرهن في أبهى حلة، أي صور غير عفوية لا تشي بحقيقة ما يجول ويصول في دواخل “بطلاتها”، وهنّ في المرحلة الجنينية لتكوين الأنوثة، لذلك طلبت المصورة من جميع الفتيات أن ينظرن إلى الكاميرا من دون ابتسام مما أدخل الفتيات تلقائيا في لحظات من الهدوء والتأمل.

اعتمدت رانيا مطر على كاميرا غير رقمية في تصويرها، حيث كان من غير الممكن للفتيات رؤية صورهن بشكل فوري مما جعل التجربة أقسى بالنسبة إليهن، وهن ينتمين إلى جيل “السيلفي” المُصمم والفوري والذي يمكن فيه استبدال أي صورة في أقل من ثانية، إن لم تستوف شروط القبول التي وضعتها له بطلة الصورة التي هي مُلتقطة الصورة في الآن ذاته.

هكذا أصبحت جلسات التصوير مغامرة بالنسبة إلى المصورة التي سعت إلى استكشاف ما هو أبعد من مظهر الصورة، وأيضا بالنسبة إلى الفتيات اللواتي لم يكن يتوقعن تماما كيف سيبدون في الصور. صور لن “تظهر” إلاّ بعد أن تكون انتهت جلسة التصوير، وربما بعد فترة طويلة تحددها المصورة.

معظم الفتيات في الصور يتزين بإكسسوارات متنوعة، جالسات في وضعيات مختلفة تتراوح ما بين الإغراء المتمكن والفج

تبدو معظم الفتيات في الصور (ومعهن في صور أخرى بعض النساء اللواتي يتميزن بطفولية ما)، وهن يتزيّن بإكسسوارات مختلفة، ويضعن طلاء أظافر، يحاولن الجلوس في وضعيات مختلفة تتراوح ما بين الإغراء المُتمكن والفج، غير أن هذا ليس هو ما تشير إليه الصور.

يكفي أن نذكر الكم الهائل من الصور التي ألتُقطت في العالم الغربي لفتيات غرقن في محاولاتهن لتقليد النسوة من حولهن، من حيث الملبس وانتعال الكعب العالي والتبرج الملوّن والطفولي في أحيان كثيرة.

ما يميز صور رانيا مطر المعروضة في صالة “جانين ربيز” حضورها في مكان آخر تماما، حضور زمنين اثنين في كل صورة واحدة، هناك الطفلة والمرأة، المرأة والطفلة وليست الناطقة بحضورهما وهي الإكسسوارات وغيرها من المظاهر، بل تلك النظرة المُحملة دائما بمعنيين اثنين، وبحالتين اثنتين لا يفترضان بالضرورة تقدم حالة على أخرى، ولا استباقا للزمن الطفولي لزمن الأنوثة شبه المكتملة.

هذه الحيرة الجوهرية، وليست المرحلية بين الحالتين أخرجت معظم صور الفنانة من الإطار النفسي/الاجتماعي لتدخلها في بعد فلسفي وجداني، ربما يذكر بنظرية المفكر هنري بركسون، حينما وصف الزمن كحالة امتداد غير متقطع، حيث لا ماضي ولا حاضر ولا مستقبل، بل ذوبان لتلك المراحل في كلية واحدة.

ثم هناك هذا القلق الفطري، القلق الذي أقل ما يقال عنه إنه ليس سابقا للنضج بل هو مرافق له وجزء لا يتجزأ من حضور طاغ لأنوثة لا تعرف إلاّ الحلول في كل عمر، وفي كل ظرف، وفي كل ما يمكن أن يكون مرتعا للحياة بمعناها المطلق، هذا ما تقوله صور رانيا مطر.

ثمة أمر آخر يميز هذه الصور، إنها مشاهد ناجية من نظرة الرجل إليها، مأخوذة من رأس النبع، وهي في حقيقتها الأولى تبدو أكثر شمولية وأقل تقزيما وتحويلا لمتاع ينضج على نار خفيفة ريثما يقطفه الآخر/الرجل. هذا ما يستشعره مُشاهد الصور، ليس لأن المصورة امرأة، بل لأنها إنسان نفذ إلى جوهر “الرواية” التي اختارت أن ترويها عبر صورها الفوتوغرافية.

إنها رواية عن المرأة في كل فصولها المتداخلة، المرأة/الكائن التي عايشت الحروب وإن لم تكن عايشتها فعليا، والتي اختبرت الفقد والشتات والقلق على كل ما هو حيّ حتى وإن كانت تجاربها الأرضية لا تشهد لها على ذلك، كل ذلك تقوله المُصورة في صمت الصور وهدوء نظرات الفتيات المُقلق والضبابي.

الفتيات/النساء، والنساء/الفتيات في صور رانيا مطر ينطقن بكلمات المصورة الشهيرة سوزان سونتاغ “لم أكن في كل مكان، ولكن كل مكان هو على قائمة أهدافي، حتى وإن لم، أو لن أختبره أبدا في حياتي”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر