الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

الاثنين 24 يوليو/تموز 2017، العدد: 10701

رحابة اسمها بيروت

لقن السكان 'الأصليون' للبنان بشكل عام ولبيروت بشكل خاص أغلب الوافدين إليها فن الأمل تحت نيران الضغوط الخارجية والداخلية.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/12/02، العدد: 10473، ص(17)]

على جدار شاهق تحت جسر أساسي يربط وسط بيروت بباقي المناطق، كُتبت هذه الكلمات “في بيروت قبل أن أموت، أود أن..”، تركت مساحة هائلة تحت هذه الكلمات كدعوة للعابرين ليخطوا فيها أمنياتهم، وكذلك فعلوا على مدى السنين لتجيء كلماتهم تتراوح ما بين الفكاهة السوداء والدرامية العالية النبرة، وصولا إلى التفاهة المُطلقة أحيانا.

في المدينة ثمة كتابات تقول “لا مفر من الآتي” و”بيروت، مدينتي الخانقة”، وأعمال غرافيتي مميزة تخط كلمات أكثر حدة وبأساليب مختلفة وأذكر منها “بيروت تقتل”.

الحق يُقال إنها مدينة تقتل فعلا، تقتل بشراستها وغربتها عن ذاتها وتقتل بنسيانها الفتاك وبذاكرتها المؤلمة وتقتل بجمالها وحيويتها، وبضيق نفسها وبرحابة صدرها، وحينما نقول “مدينة”، فنحن لا نقصد زفت الطرقات والمباني، بل نقصد ساكنيها من مقيمين ولاجئين.

سكانها ولا أقول أهلها، يفترشون الطرقات ويسكنون المنازل الفخمة والفقيرة وربما الأشجار، الوارفة منها وغير الوارفة، الكل يجد ما “يعتاش” منه وما يتنافس عليه وما يلجأ إليه، والأهم من ذلك أن الكل يحلم بغد أفضل، وهو غارق ما فوق رأسه تحت وطأة الرغبة الشرسة بالعيش الكريم.

لقن السكان “الأصليون” للبنان بشكل عام ولبيروت بشكل خاص أغلب الوافدين إليها فن الأمل تحت نيران الضغوط الخارجية والداخلية.

اعتاد مع مرور السنوات قاطنو المدينة الجدد على جنونها وفوضى غياب القانون، وغالبيتهم تمرسوا بحرفة العيش على “الطرقة اللبنانية” أي على شفير السقوط ضاحكين، ليصير أغلبهم أبطالا خرجوا لتوهم من قصص رومانسية معاصرة يتساوى فيها الشيء مع اللاشيء.

لا يخفى على أحد الكم من الأقاصيص الرومانسية والمثالية التي نسجت عن بيروت مدينة العرب الأولى، ولا يخفى على أحد كيف طمس أهلها إلى حدّ كبير كل رواسيها الحادة وجراحها غير الملتئمة التي تشكلت منذ سنوات لتبقى مفتوحة غير آبهة بالتهاباتها.

هذه الخلطة العجيبة من التناقضات والجنون المنضبط تحت قوانين ذاتية جعلت من “اللبنانيين” ما هم عليه: حراسا موتورين لوهج الحياة ولاعنيها في الآن ذاته، حتى أصبحت هذه “الامتيازات”، ما توحدهم في “لبنانية” واحدة افتخروا بها حتى ذاق ذرع الآخرين بهم.

في هذا السياق عرفت بيروت منذ سنتين معرضا فنيا يمثل بشكل كبير هذه الخلطة العجيبة من البشر التي أفرزتها الحروب والأزمات المتتالية، جاء المعرض تحت عنوان “فوضى في بيروت”.

معرض ضم صورا فوتوغرافية تظهر العديد من شوارع بيروت، رُسمت فيها أشكال كرتونية لسكان من المدينة الذين استطاعوا بالرغم من طرافتهم الكرتونية أن يكونوا واقعيين وحقيقيين.

اكتشف زوار المعرض حينها، إلى جانب هذه الشخصيات المرسومة، التصنيفات والتوصيفات الطبيّة لحالاتهم النفسية التي كتبت في مستطيلات صغيرة، نذكر من التوصيفات “اكتئاب طفيف”، و”اكتئاب حاد”، و”عدم القدرة على التكيّف”، و”إدمان”، و”أرق مرضي”، و”هوس جنسي”، و”بيرومانيا أو الرغبة في افتعال الحرائق” و”أزمة هوية”.. إلخ.

المتمعن بنسيج مدينة بيروت البشري والمستجد منذ بضعة سنوات، سيجد أن الكثير من المقيمين اللبنانيين باتوا غرباء فيها والكثير من الوافدين إليها هم مواطنوها، كل هذا أمر يمكن اعتباره عاديا في المعادلة الجيوسياسية الجديدة، ولكن ما يحزّ في النفس هو رؤية الكثير من الوافدين يستسيغون القول، في أي فرصة أتيحت لهم، بأن بيروت مدينة كاذبة تخفي شرورها، ولكن يحلو السكن فيها في الآن ذاته.

أما الجانب الكاذب من هذه المدينة بالنسبة إلى هؤلاء، فهو متمثل في المظاهر الثقافية والنشاطات الفنية التي لا تعد ولا تحصى وتحدث يوميا، وثمة مفارقة أخرى هنا، أن هؤلاء الأشخاص جاؤوا إليها فنانين تشكيلين وموسيقيين، وممثلين ومخرجين، ربما كان الأجدر بي أن أسألهم فور كلامهم عن شرور بيروت “لماذا أتيتم إليها إذا؟”. أغلب الظن أنهم كانوا سيجيبون، قائلين “لنحتفي ونشارك بزيفها وتكاذب أهلها من خلال ممارساتنا الفنية والحرة التي حرمنا منها، حيث كنا”.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر