الخميس 23 فبراير/شباط 2017، العدد: 10552

الخميس 23 فبراير/شباط 2017، العدد: 10552

كتاب القصة القصيرة يعيشون حالة عزلة

  • يلجأ القاصون والشعراء والفنانون إلى الرمز ليمرروا أفكارهم دون الوقوع في المباشرة الفاقعة، ودون الاصطدام بالرقيب العربي الذي يملأ مخيّلة الكاتب قبل المتلقي برعب مقصه الحاد، الذي يقطع ويهدم ويخرب مخافة الرقيب الأعلى الذي قد يكون ملكيا أكثر من الملك نفسه. “العرب” توقفت مع القاص السعودي ساعد الخميسي للحديث حول مجموعته القصصية “نقوش” وحول قضايا ثقافية أخرى.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2016/12/06، العدد: 10477، ص(15)]

الفن رمز مردوم في حلق التلقي (لوحه للفنان محمد ظاظا)

القصة القصيرة جدا، أو ما يصطلح على تسميته بـ“ق.ق.ج”، هي نوع حديث من الأدب انتشر في الفترة المعاصرة بشكل واسع، ليغدو شكلا سرديا قائما بحد ذاته له شروطه وميزاته. الـ“ق.ق.ج” أصغر في حجمها من القصة القصيرة، وقد لا تتجاوز بضعة أسطر، وأحيانا قد لا تتعدى السطر الواحد.

تتجلى أركان القصة القصيرة جداً الأساسية في: القصصية، والجرأة، والوحدة، والتكثيف، والمفارقة، وفعلية الجملة، والسخرية، والإدهاش، واللجوء إلى الأنسنة، واستخدام الرمز والإيماء والتلميح والإيهام، والاعتماد على الخاتمة المتوهجة الواخزة المحيرة، وطرافة اللقطة، واختيار العنوان الذي يحفظ للخاتمة صدمتها.

وقد راج هذا النمط القصصي لدى العديد من كتاب القصة القصيرة العرب الذين أبدعوا فيه نصوصا أدبية مميزة، تتمازج فيها كثافة اللغة، القريبة من الشعر، بالفكرة التي غالبا ما تكون موحية ونافذة وكأنها لدغة، صغيرة في الحجم لكن تأثيرها عميق للغاية.

نقوش من قسمين

يمتلك القاص السعودي ساعد الخميسي علاوة على تجربته في كتابة القصة، تجربة أكاديمية مهمة إذ هو حاصل على درجة الماجستير في الأدب عن موضوع طريف مزج الشعر بالقصة هو “العناصر القصصية في شعر أبي فراس الحمداني”. كما يتميز الخميسي بمشاركته الكثيفة في الحياة الثقافية السعودية حيث ساهم في العديد من الأمسيات القصصية بالإضافة إلى إسهاماته الأدبية والفكرية في النشر.

أصدر الخميسي في عام 2015 مجموعته القصصية الأولى “نقوش” عن نادي جدة الأدبي، ويشرع قريبا في تقديم عملين جديدين للقارئ هما “صفحا عن السواحل” مجموعة قصصية، و“غائم جزئيا” مجموعة قصص قصيرة جدا. كما أن لديه رغبة وعملا متواصلين لحشد عوالم نص روائي، يقول “لعل في ما أحمل من التفاصيل التي باتت بمنأى عن حقائق الإنسان اليوم، ما يسهم في تقديم متن يكفل الاختلاف نوعا ما”.

ويرى الخميسي أن كل العوالم باتت متاحة أمام سارد اليوم حينما يقف أمام أوعية الإبداع ومتصفحاته التي لا ترزح تحت شكل وحيد. لكنه يرى ضرورة المسألة المتعلقة بمهارة الأداة الروائية والتمكن من استخدمها.

ساعد الخميسي: تؤسفني حالة الضعف التي تعيشها القصة القصيرة في السعودية

يحدثنا ساعد الخميسي عن المجموعة “نقوش هي حصاد سبع سنين من التجريب الكتابي في مجال السرد القصير جدا، جاءت مناخاتها نقوشا حملتها الذاكرة من امتداد البراري البعيدة إلى مدينة تضج بالضوء والضوضاء كمدينة جدة، تلك المدينة التي لاتكف عن مداعبة بحرها المضطجع من الشمال إلى الجنوب ليل نهار”.

ويتابع “نقوش لم تعد مناخا لي وحدي. حينما تناولها النقاد في دراساتهم ومنهم: عباس سليمان من تونس، وسامي جريدي، ومستورة العرابي، والعنود المطيري، من السعودية، أولئك الذين ساهموا بأدواتهم النقدية في صقل وإلقاء الضوء على مناخ المجموعة فلهم ولكل من قرأ أو كتب عنها الشكر والتقدير”.

مجموعة “نقوش” كتبت في ما بين عامي 2007 – 2014، وهي مقسمة إلى قسمين هما نقوش حائرة، ونقوش دائرة. وضع الخميسي عناوينها الرئيسية والفرعية ليس فقط كعتبات نصية تحيلنا على فضاءات الكتابة، بل هي –في بعض النصوص- جزء من القصة القصيرة جدا. فلا يمكن تأويلها إلا بعنوانها. ويدرك القارئ بأن ثمة كتلتين لغويتين تقتسمان النص، حيث الرمزية العالية في القسم الأول، بينما تتبدّى ملامح القصص في القسم الثاني حين تأخذ الشخصيات القصصية شكلها في الحوار والفعل وردة الفعل.

طغيان التجريب

إنها نصوص مكثّفة بالرمزية، لا سيما في القسم الأول “نقوش حائرة”. حيث الجمل الشعرية الموجزة جدا، التي تنتظر التأويل، وفك الشيفرة الخاصة بها، الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل: لماذا لم تكن شعرا، خصوصا وأن بعض النصوص خلت من الحكاية، ومن الأفعال معتمدة في معمارها الفني على الجمل الإسمية المتتالية؟

يجيب الخميسي “الفن رمز، رمز مردوم في حلق التلقي، يحتاج إلى حشد طويل لكل الخيوط التي تؤدي إلى أكوان الدلالة. ولعل خصوصية فن القصة القصيرة جدا في حساسيتها وتداخلها مع الشعر والشعرية يوهم التلقي بصعوبة التجنيس، ففي شدة تكثيف بنائها تنحاز دوالها إلى محض اللغة الشعرية، غير أنها بضربة من مفردة واحدة تغدو كائنا سرديا لا تنضب حركة تأويلاتها. والمبدع لا يجنس عمله بقدرما تفرض الفنون خاناتها الإبداعية في أوعية متداولة بين عناصر اتصالها الثلاثة (المبدع ـ الرسالة ـ المتلقي) فبينما هي تتحرك مع هذا العصر المتفاعل والمتشارك بكل أدواته تجد نفسها في منتهى المطاف في حقلها السردي أو الشعري”.

نقوش هي حصاد سبع سنوات من تجريب القاص في مجال السرد القصير جدا

في قراءته للمشهد السردي السعودي المعاصر في ما يخص القصة القصيرة تحديدا ينتاب ضيفنا الخميسي القلق، ويأسف لحالة الضعف التي تعيشها القصة القصيرة، ويرجع الأسباب لأمرين “الأول يكمن في طغيان التجريب في فن القصة القصيرة جدا، هذا الفن الذي راج بشكل واسع بسبب إيقاع الزمن المتصل، وبتطرقه الرمزي المدهش لقضايا كبرى تتناسب مع لغة الإشارة. والأمر الثاني يتجلّى في حركة النقد السردي التي أولت عنايتها بفني الرواية والقصة القصيرة جدا، ولم تظهر حفاوة بجنس القصة القصيرة وتحفيزا لكتابها مما أدى بهم إلى ما يشبه العزلة قليلا”.

من ناحية أخرى وفي حديثنا عن الرقابة وكل ما من شأنه أن يقيّد حرية المبدع والإبداع يؤكد قاصنا الخميسي بأن زمن الصحوة قد انتهى وأن مآلاته في انحسار ويقول “ما عادت في زمن مشرع للفضاءات الأوسع أن تتقاطع الخطابات، بقدر ما تمضي في خطوط متوازية نحو التلقي، راسمة بذلك نهاياتها الظاهرة في جبين المنتج”.

وفي سؤال ختامي عن إمكانية العمل من قبل المثقفين السعوديين على بناء مؤسسة ثقافية جامعة من أجل الهم المصيري الموحّد وسط أمة عربية مفككة أمام الوحدانية والتفرد المطلق للمثقف العربي. يجيب الخميسي “المثقفون السعوديون هم نتاج لبيئة واحدة تصدر عن مكنوناتها كل قضاياهم وتصوراتهم ومرئياتهم. وغالبا ما نجدهم يتواردون على نص واحد، تجمعهم وتفرقهم آليات الكتابة حوله.

غير أن الخلل في تصدير خطاب موحد يصل إلى الأهداف المنشودة هو عدم ثبات المؤسسة الثقافية على توجه يؤدي بالاستقرار على نظام واضح المعالم، ليتسنى للمثقف قراءة المشهد ورسم معالم السير باتجاه خط الاهتمام وتصدير ثقافة لها رؤى حقيقة بالقراءة والتتبع”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر