الجمعة 23 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10672

الجمعة 23 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10672

إعدام حلب رسالة جوابية من روسيا إلى منتقديها في مجلس الأمن

للسياسة ثمن دفعه الشعب السوري من دمه وعذاباته لانفراد الذئاب الدولية والطائفية بالثورة، مستغلة فراغا تاريخيا أنتج لنا التفرد الروسي وسيلا من حماقات ملالي إيران تجاه أمتنا العربية.

العرب حامد الكيلاني [نُشر في 2016/12/07، العدد: 10478، ص(8)]

على جدار الرواق المؤدي إلى قاعة مجلس الأمن الدولي ترتفع لوحة الجورنيكا للفنان العالمي التشكيلي بابلو بيكاسو بنسخة مكبرة؛ يمر بها في كل اجتماع، الأعضاء الخمسة الدائمون، ومنهم طبعا السفير الروسي الذي يرأس المجلس في دورته الحالية، ويتلقى ببرود أعصاب، مضطر عليها، ردود أفعال كل من سفراء بريطانيا وفرنسا وأميركا وإداناتهم المستمرة للموقف الروسي المتشنج والرافض لكل حل أو حقن للدماء في سوريا وحلب تحديدا؛ وصلت بهم وقائع المجازر إلى تجاوز اللياقة الدبلوماسية لإيصال غضبهم بعد استخدام روسيا حق النقض الفيتو لخمس مرات متتالية على مدى سنوات الحرب أو الصراع في سوريا.

لا شيء يُلهِم روسيا لتغيير موقفها؛ الرموز العظيمة التي تتفق عليها الإنسانية كذاكرة تتوقف عندها لتتأمل مصير الشعوب والسلام العالمي لا تعني لها ولمندوبها أي قيمة تؤثر في القرارات الدولية الخطيرة؛ لوحة الجورنيكا أراد منها المعنيون بتصميم المكان ودوره الوظيفي توصيل شحنة أمل وليست شاحنة استبداد على رأي أو موقف، وبالتالي المزيد من دماء وخراب المدن بما فيها من ضحايا أبرياء.

الجورنيكا قرية صغيرة في شمال إسبانيا بإقليم الباسك بالقرب من مدينة بيلباو، وهي صورة مصغرة لحلب السورية في مقاربتها المأساوية من إعادة إنتاج الموت والمداخلات الدولية والاصطفافات المنحازة والدور الروسي أيضا؛ لكن تم استبدال شبح ستالين بشبح بوتين.

الفرق يكمن في المفهوم العام أو الانطباع السائد عن موقف ثورة أكتوبر الروسية بمناصرة الثورات التحررية في العالم، وهذا ما حصل، أو يفترض أنه حصل في إسبانيا إبان الحرب الأهلية ومحاولة الثوار الخلاص من دكتاتورية حكومة فرانكو الذي كان يقف إلى جانبه عمليا وبكل قوة موسوليني وحزبه الإيطالي الفاشي وهتلر وحزبه الألماني النازي؛ بالمقابل الدعم الستاليني للثوار وتحوله إلى نقمة أدت إلى انتصار الفاشيين ونهاية الحرب الأهلية في الأول من أبريل 1939 بعد سلسلة من الاغتيالات لشخصيات وقادة في الحزب الشيوعي، لأنهم كانوا لا يمتثلون لإرادة ستالين المطلقة ويبحثون لأنفسهم عن مساحة من الحرية في التوجهات الفكرية غير المنسجمة مع تصلب شخصية ستالين؛ لحظة الفراق المباشرة وقعت في مايو 1937 وفي مدينة برشلونة عندما أصدر مدير الشرطة أوامره بقمع التظاهرات بالقوة، وهو من الشيوعيين الستالينيين وبمساندة ميليشيات الحزب الشيوعي الإسباني؛ شن عملية تطهير واسعة للشيوعيين الذين كانوا يميلون بأفكارهم الخاصة إلى زعماء آخرين مثل تروتسكي، وكان ستالين يرى فيهم أعداء له ولمركزيته.

أي أن الأسباب التي أدت إلى اندلاع الثورة ضد الدكتاتورية ضاعت في تخبط المصالح وتغير المواقف بما أفرزته الحرب وانتشارها، ومشاركة أعداد كبيرة من الحالمين، كتابا وأدباء وفنانين وصحافيين وشعراء حتى من خارج إسبانيا، في عالم متحرر من الطغاة وسجون الرأي وانعدام حقوق الإنسان؛ رغم أنها كانت ساحة أولية للصراع الدولي حينذاك بين إيطاليا وألمانيا من جهة، والاتحاد السوفيتي من جهة أخرى، تم فيها تجريب الأسلحة والسياسة أيضا كما يحدث في حلب اليوم؛ يمكن القول إنها كانت نزالا تمهيديا في طريقه إلى الحرب العالمية الثانية الكارثية بكل المستويات لدول المحور أو دول الحلفاء، ولم تنته إلا بالضربة النووية للمدن اليابانية المنكوبة.

في 26 أبريل 1937 ولأغراض الترويع والصدمة بادرت طائرات السلاح الجوي الألماني بجحفل أو لواء الكوندور النازي ومعهم وحدة أفياتزيوني الإيطالية بقصف وحشي ومهاجمة قرية الجورنيكا، معظم قاطنيها كانوا من كبار السن والنساء والأطفال لخلوها تقريبا من الرجال المقاتلين المتواجدين أصلا في الجبهات، وحدثت المجزرة التي صنعت من الجورنيكا في اليوم نفسه أشهر أيقونة لفداحة الحروب الأهلية بعد أن نشرت جريدة “ذا تايم أرتيكل” تقريرا من صحافي يدعى جورستير عاش مأساة القرية ونقل أهوال الجريمة.

ما خلد المدينة، تكليف الفنان بيكاسو برسم لوحة جدارية عن الجورنيكا بعد أيام فقط من الجريمة لمعرض باريس الدولي، اللوحة الأصلية موجودة في أحد متاحف مدريد، وأُريدَ لها أن تكون في ممر قرارات السلم العالمي بحجم كبير ظاهر للعيان، لتذكر الجميع ببشاعة الحروب وبالذات ما تعنيه الحروب الأهلية.

سنوات طويلة بعد جريمة الجورنيكا، وفي مارس 1999 اعترفت الحكومة الألمانية بمسؤوليتها عن الهجمات على القرية الوديعة بأثر رجعي، وفي نفس العام أعلن البرلمان الإسباني أن القصف نفذته قيادات فرانكو، غير أن الحكومة الإسبانية لم تعتذر من جورنيكا ومواطنيها؛ ذلك جزء من تداعيات رغبة الانفصال عن إسبانيا وتشكيل جمهورية لإقليم الباسك التي خاضت بعض منظماتها أعمال العنف والتمرد على مدى العهود الأخيرة.

استمر حكم فرانكو إلى غاية وفاته في العام 1975 وبقيت فرنسا وبريطانيا على موقفهما منه كدكتاتور أودى بحياة الآلاف من شعبه في حرب أهلية ألقت بأحمالها على العالم؛ اليوم النظام الحاكم في سوريا والرئيس الروسي فلاديمير بوتين وكل الفصائل الطائفية الإيرانية يصنعون من حلب أيقونة لصمود الشعب السوري بوجه أعتى الدكتاتوريات، رغم كل حملات التضليل وخلط الأوراق وصناعة الإرهاب وتدمير المدن الممنهج، خاصة بعد أن شارفت المنافسة على لعبة الوقت على نهايتها بإعلان سيرجي لافروف وزير الخارجية الروسي الاستمرار بالعمليات العسكرية في حلب، واعتبار كل المقاتلين مجموعات إرهابية.

الأمر يتعلق ببقاء النظام في سوريا، وهذا الهدف الذي من أجله كانت المفاوضات الدولية ومناورات جنيف وغيرها، كسب الوقت وإحداث الفرق في موازين القوى، وهو ما كنا نؤكد عليه دائما، لكن للسياسة ثمن دفعه الشعب السوري من دمه وعذاباته لانفراد الذئاب الدولية والطائفية بالثورة، مستغلة فراغا تاريخيا أنتج لنا التفرد الروسي وسيلا من حماقات ملالي إيران تجاه أمتنا العربية.

أيام التهيئة للعدوان الأميركي واحتلال العراق اضطرت المنظمة الدولية ومجلس أمنها إلى إخفاء لوحة الجورنيكا بحجاب من قماش الخجل، لأن أصوات الحرب وطبولها لا تتناسب أبدا مع عبرة المضامين في اللوحة التي تقدم بشاعة الحرب ووحشيتها، لتصنع الفارق وتعيد بناء قصر العدل، أو بالأحرى قصر العقل وبنايته الشاهقة التي بذخت البشرية على مدى تعاقب أجيالها الملايين من أرواح أبنائها لتستنير بالحكمة والمعرفة ولتنعم الشعوب بالأمن والاستقرار ولقمة عيش وسقف بيت وفرصة عمل وتعليم وصحة.

اليوم، روسيا تعيد مأساة الجورنيكا في حلب، ومباشرة ضد الثورة، ودون قناع أو استمالات، وتقف إلى جانب الحاكم الظالم المستبد، وتجاهر بلامبالاتها بالمواقف الدولية التي تزدري التعنت الروسي الشائن الذي اختار الانحياز كاملا إلى لعبة الوقت واستثمار الإبادة كورقة واضحة سرعان ما ستتم معالجتها بالتسويات الدولية الجاهزة أو مساعدات ما بعد الموت لتوصيل رسالة الحاكم بالسماح للشعب بالعيش تحت إرادته ومزاجه وصلاحياته المطلقة وأيضا صلاحيات الولي الفقيه الإيراني ومظلة الاحتلال الروسي.

حلب، هل هي هدية بوتين للرئيس الأميركي دونالد ترامب قبل توليه الرئاسة الفعلية الشهر القادم؟ وماذا بعد حلب؟ وهل ستنجو إدلب بعد أن تم التهجير القسري للمقاتلين وعوائلهم إليها في حملة التغيير الديموغرافي لسكان المدن والأحياء السورية المعروفة بصمودها؟

حلب، لوحة لجريمة حرب صداها يتردد في أروقة الحياة، وليست رواية أو قصة أو سيناريو في أقبية المخابرات لفبركة مصالح نظام أو مزاج رئيس دولة كبرى أو معتوه طائفي أو تنظيم إرهابي أو ميليشيا حاكمة. يبدو أن المارين إلى قاعة مجلس الأمن لم يعودوا ينظرون إلى لوحة الجورنيكا، أو ربما انزوت الجورنيكا في حضن بيكاسو خجلا من حلب لتشاركه الأسى وخيبة الأمل بالمُثُل العليا.

كاتب عراقي

حامد الكيلاني

:: مقالات أخرى لـ حامد الكيلاني

حامد الكيلاني

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر