السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

سيناريست ومخرجة وبينهما ناقد

ليس من الممكن مطالبة الناقد بالحكم على سيناريو ما قبل التصوير، فليس هذا شأنه، بل يظل تعامله الأساسي والوحيد، مع السيناريو كما يظهر على الشاشة بغض النظر عما تم وراء الكواليس.

العرب أمير العمري [نُشر في 2016/12/07، العدد: 10478، ص(16)]

لم أكن أشعر بالارتياح عندما كنت أستمع لنجيب محفوظ وهو يقول ويكرر القول، إنه لا يعير التفاتا لنتائج تحويل رواياته الأدبية إلى أفلام سينمائية، ويؤكد على أن مهمته ككاتب تنتهي بعد كتابة عمله الروائي، وأن من حق المخرج تقديم رؤيته الخاصة للرواية.

كنت.. وربما مازلت، أرى أن هناك مسؤولية أخلاقية تقع على عاتق نجيب محفوظ، الروائي المرموق، وهو يسند عمله الأدبي إلى كاتب سيناريو أو مخرج قد لا يتمتع بالخيال الفني الجميل الذي يكفل له النجاح في نقل عمل أدبي محمل بالدلالات الفلسفية، إلى لغة السينما. كانت تلك الحيادية السلبية عند نجيب محفوظ، وابتعاده بنفسه عن عمله بمجرد أن يبيع روايته ويقبض ثمنها، تثير حنقي، لأنها تظهره كما لو كان يعتبر السينما وسيطا “تجاريا” يكفل له الحصول على بعض المال، ولا يهمه بعد ذلك كيف يظهر الفيلم.

هذا التسـاهل مـن جـانب نجيب محفوظ ربما يكون السبب في أن أهم أعماله أي “الثلاثية”، جاءت في السينما أقرب إلى “الكباريه” الكبير، تمتلئ بالأجساد والهمسات والتأوهات والرقصات، وهو للأسف كل ما استقر في أذهان بعض البسطاء عن عالم نجيب محفوظ، لكن المشكلة لم تتوقف فقط عند العلاقة بين الكاتب الروائي، والمخرج أو كاتب السيناريو، بل هناك مشكلات كثيرة تقع بين كاتب السيناريو والمخرج، ولكن الطريف أن نجد الناقد طرفا فيها أيضا.

خلال حضوري مهرجان القاهرة السينمائي مؤخرا، التقيت، وجها لوجه، مع السيدة هناء عطية كاتبة سيناريو فيلم “يوم للستات” الذي أخرجته كاملة أبوذكرى، وكنت قد تناولت الفيلم بالنقد على صفحات “العرب” بعدما شاهدته في مهرجان لندن السينمائي، وأبديت الكثير من الملاحظات حول السيناريو بوجه خاص، غير أن “السيناريست” عاتبتني بالقول إنه كان يتعين عليّ أن أراجعها قبل أن أكتب ما كتبت، لكي أعرف ما تعرض له السيناريو الذي قالت إنه تم اختصاره وتشويهه.

تعتقد كاتبة السيناريو ببساطة، أن السيناريو الذي كتبته تم “اغتياله” و”تدميره” وأن ما ظهر على الشاشة لا يمثلها، وهي تلقي اللوم على مخرجة الفيلم، ولكن أيضا، على الناقد الذي كتب مقاله النقدي دون أن يستعلم منها عما حدث وراء الكواليس وما جرى للسيناريو الذي كتبته من تعديلات وتغييرات، فهل نحن أمـام تقليد جديـد خـاص بسـوق العمل في السينما بتلك المنطقة مـن العالم؟

من الطبيعي أن يكتب الناقد طبقا لما شاهده على الشاشة، مثله مثل جمهور المشاهدين، وما يشاهده أمامه هو المعيار الوحيد لتحليل الفيلم والحكم عليه فنيا، أما البحث في خفايا العلاقة بين السيناريست والمخرجة وما عساه أن يكون قد وقع بينهما، فأظن أنها مسألة قد تثير اهتمام الصحافة الفنية الشغوفة بهذا النوع من القضايا المثيرة، ولكن ما هو “السيناريو” الذي يستقبله الناقد السينمائي أثناء مشاهدته الفيلم، وكيف يحكم عليه، وهل لا بد أن يقرأه أولا قبل مشاهدته مجسدا على الشاشة؟

إن السيناريو ببساطة مجموعة من المواقف والأحداث والعلاقات التي تربط بين الشخصيات المختلفة من خلال حبكة درامية أو أسلوب معين في السرد، أما تجسيد تلك الحبكة، ومنح الشخصيات الحياة، والتحكم في عمل المصور والممثلين ووضعهم تحت إضاءة معينة وتصويرهم من زوايا محددة، والتعاون مع المونتير من أجل ضبط تسلسل الصور ضمن إيقاع معين، وربما وضعها في نسق أو بناء سردي قد يختلف قليلا عن البناء الأصلي في السيناريو، هو بالقطع عمل المخرج.

وبالتالي ليس من الممكن مطالبة الناقد بالحكم على سيناريو ما قبل التصوير، فليس هذا شأنه، بل يظل تعامله الأساسي والوحيد، مع السيناريو كما يظهر على الشاشة بغض النظر عما تم وراء الكواليس. رحم الله نجيب محفوظ فربما أكون قد قسوت عليه، فقد كان يدرك أن على كل طرف أن يؤدي عمله فقط دون تدخل في عمل الآخرين، لكننا نعيش حاليا عصر اختلاط المفاهيم.

ناقد سينمائي مصري مقيم في لندن

أمير العمري

:: مقالات أخرى لـ أمير العمري

أمير العمري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر