الجمعة 22 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10759

الجمعة 22 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10759

هذا الاسم لي

الفنان جاك لوي دافيد رسم سقراط وهو يمد يده ليأخذ جرعة السم من أحد تلاميذه المقهورين، وكأنه يستعد لتناول كأس من النبيذ الفاخر.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/12/09، العدد: 10480، ص(17)]

أعمق حضور هو للغائب، لا أحد يجب أن يخدع ذاته بغير ذلك، “ربما لا يكون هذا ما عبر عنه تماما الشاعر الفلسطيني محمود درويش حين قال “وهذا الاسمُ لي../ ولأصدقائي، أينما كانوا/ ولجَسَدي المُؤَقَّتُ، حاضرا أم غائبا..”، لكنه أشد ما أرى فيه نبوغ الغائب في سذاجة الجسد ومهزلة الأسماء التي نعرف بها أمام “الأصدقاء، أينما كانوا”.

وهذا أكثر ما أراه حاضرا في أعمال تشكيلية معاصرة تهشّم الملامح الشخصية للوجوه حتى الاختفاء الكامل، وكل ذلك احتفاء بالحاضر الغائب، أو بالغائب الحاضر في نتف تشكيلية تهمش الحضور المبتذل لما يصعب التقاطه في ملامح واضحة وواحدة، وهي في مكان ما خارج إطار اللوحة.

ليس هذا أمر سهل على أي فنان أن يقيمه في لوحته، ولا أقصد ذلك تقنيا، الصعب هو أن يرى هذا الفنان ويعترف بهذا المنطق غير المريح للأشياء وحقائق الحياة، لا سيما تلك الحقائق التي تمسنا في عمق كبشر.

يحضر إلى ذهني العمل الفني الرائع للفنان جاك لوي دافيد الذي رسم سقراط وهو يمد يده ليأخذ جرعة السم من أحد تلاميذه المقهورين، وكأنه يستعد لتناول كأس من النبيذ الفاخر. ما يعبر عنه هذا العمل يمكن اختصاره في هذه الكلمات “نعم للموت إن كان على حساب الحقيقة وكشف الحقيقة”.

هل برسم الوجوه دون ملامح إعلان للتخلي عن الحياة أم هو ضرب من ضروب لفت النظر أو التفنن في الخروج عن المألوف؟ لا هو حصيلة صراع داخلي وجرأة في مواجهة الأفكار حتى وإن كانت بشعة، لأنها غير مريحة ومطمئنة.

يسكن هذه اللوحات التي تبعثر ملامح الوجه لا الرغبة في التدمير أو التزوير بل هي موقف يجرؤ على أن يشير إلى أن الحياة هي في مكان آخر، وأن الغائب المحلوم في هيئة وجه غير مكتمل قوي الحضور في بعد مواز لهذا العالم الممل في رتابته وتفاقم جرائمه.

بعض الفنانين التشكيليين الغربيين والمعاصرين قدموا لوحات مؤثرة تعبر عن بعض ذلك، ومن هؤلاء أذكر الفرنسية كارول بريمو. لهذه الفنانة أعمال “يرتادها”، وهي كلمة لن أعثر على أفضل منها لأنها تعبر بشكل دقيق عن كيفية حضور الأشخاص في لوحاتها. هذه الفنانة لها أعمال يرتادها رجال في لباس رسمي أسود اللون في الغالب.

كل الرجال في هذه اللوحات يفتقرون إلى ملامح، ليس لأنها غابت، بل ربما لأنه يستحيل عليها السكن في الوجوه طويلا دون أن تستنفر لتنسحب هاربة خارج ملامح ضيقة. تهرب دون أدنى غنائية أو شعرية وهي تأخذ شكل مشحات لونية تبدو أحيانا وكأنها تنساب كالماء، أو تتكسر كجص مسكوب بأياد لا تعرف إلاّ زج كل معلم مهما كان شاهقا في تفاصيل “ودية” ومألوفة من قبيل: عيون وأنوف وشفاه باسمة أو مكفهرّة.

لا شك أن هناك تأثرا واضحا بأعمال الفنان البلجيكي والسريالي رونيه ماغريت، ولكن الفنانة تسلخ الصمت المدوي الذي يسكن معظم لوحات الفنان عن أجواء لوحاتها لتستبدلها بصخب داخلي معبر عنه ببراعة دون الحاجة إلى استخدام أكثر من اللون الأبيض والأسود والقليل من الزرقة.

ملامح الأشخاص مفقودة لأنها لم تكن يوما ساكنة للوجوه بل كانت وستظل مشيرة إليها، وملمّحة إلى كينونتها في مكان آخر. معظم الأشخاص الذين يسكنون مجموعة اللوحات هذه قد ينطقون بلسان حال الشاعر محمود درويش قائلين “كأن شيئا لم يَكُن/ وكأن شيئا لم يكن/ جرحٌ طفيف في ذراع الحاضر العَبَثيِّ../ أما أنا ـ وقد امتلأتُ/ بكُلِّ أسباب الرحيل/ فلستُ لي../أنا لَستُ لي../ أَنا لَستُ لي.”

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر