الاثنين 23 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10521

الاثنين 23 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10521

فعل ثقافي مكلف

بعد عقد كامل من انطلاق الجوائز الأدبية أصبح من المهم حوكمة المرحلة وتقديم أسئلتنا بشجاعة إزاءها، وإزاء أهدافها الاستراتيجية.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2016/12/10، العدد: 10481، ص(15)]

في المشهد الثقافي الخليجي تتزايد سنويا المسابقات الثقافية على مستوى الشعر والرواية والسينما، ربما تتقدّم الواجهة البوكر في الإمارات، وكتارا في قطر، لكن الطابور خلفهما طويل جدا، يصطف فيه أمير الشعراء وشاعر المليون وشاعر عكاظ وجوائز ومسابقات لا حصر ولا عدّ لها، تأتي باسم الملوك والسلاطين والشيوخ والحكّام والأمراء الراحلين والموجودين تخليدا لذكراهم عبر إطلاق أسمائهم عليها.

إنها ظاهرة حقيقية تحتاج للتحليل والتوقف، بدأت في السنوات العشر الأخيرة، وربما تنتهي قريبا بسبب حالات التقشف العامة التي اتخذتها معظم دول الخليج لأسباب اقتصادية صارت تلح على المواطن قبل الحكومات، الأمر الذي سيجعل تخصيص ميزانيات هائلة لمثل هذه المسابقات تحت النظر، لا سيما وقد شهدنا إقفال بعض المجلات الثقافية وتوقف بعض المهرجانات بسبب غياب هذه المخصصات الحكومية لها.

بعد عقد كامل أصبح من المهم حوكمة المرحلة وتقديم أسئلتنا بشجاعة إزاءها، وإزاء أهدافها الاستراتيجية التي قامت من أجلها واستمرت في سبيل تحقيقها، وذلك عبر بيانات قائمة على دراسات وإحصائيات تقدّم نتائجها المؤسسات الحكومية للعلن، وتخبرنا عن مدى النجاح المحقق أو الفشل الذي منيت به قبل أن تفاجئنا بتوقفها تحت ذرائع غير دقيقة. فهل قدّمت هذه المهرجانات ثقافة حقيقية قادرة على رفع مستوى الشعوب الخليجية ثقافيا ومعرفيا، وهل كانت بحجم الحلم الذي دفع من أجله الملايين؟ أم أنها لم تتعدّ شكلها الدعائي التنافسي، حيث تتنافس على منبرها الدول الخليجية، فتارة في قطر وتارة في الإمارات وتارة في الكويت أو السعودية أو عمان، أو حتى في دولة تعتبر فقيرة نسبيا مثل البحرين.

في العام 2007، انطلقت معظم البرامج ذات الصيت العالي من أبوظبي، ولكنها لم تتوقف عندها، فبدأت الدول المجاورة تتنافس خليجيا، وتقدّم برنامجا تلو الآخر ليحظى بالجماهيرية، وليقدّم المثقف أو الشاعر أو الروائي في صورة كاملة لا تخلو من السوبرمانية الفاقعة في الحدث العالي الدقة. ولا شك أن الاحترافية في هذا الأمر مطلوبة ومحبذة، ولكن السؤال مازال يطرح نفسه أمامنا على الدوام، إلى أي حد استطاعت هذه البرامج والمسابقات والفعاليات أن تكون على الأرض وأن تجعل الثقافة والشعر والرواية والسينما مادة يستفيد المواطن العادي منها قبل النخب الثقافية، التي تتعامل معها كـ“بريستيج” ووجاهة اجتماعية؟

لا يخفى على المتابع مدى الإحجام الذي أصبح يرافق الجوائز من الكتاب والشعراء والروائيين الحقيقيين، إلى درجة أن بعض الكتاب العرب صار يعبّر عنها في كتاباته بأنها مسابقات المراهقين وأنصاف المثقفين والموهوبين برتبة ثانية أو ثالثة، الأمر الذي يؤكد غياب الاتفاق عليها رغم القيمة التي كانت عليها في بداية انطلاقتها بهدفية عالية، وبلجان تحكيم متفق على مصداقيتها ووعيها الثقافي وأيضا متفق على حياديتها السياسية. ولكن الأمر لم يعد -على ما يبدو- كما كان، لا سيما بعد الربيع العربي وانقساماته الطائفية والسياسية والحزبية بين المؤسسات والمثقفين أنفسهم.

وكذلك لم يعد عليها في ما يخص المتابعات الجماهيرية التي كانت قبل عشر سنوات. فكم هي نسبة من يعرف منا -دون الرجوع إلى محرك البحث غوغل- من هو أمير الشعراء، ومن هو شاعر المليون، ومن فاز بالبوكر وكتارا في العام 2016، ومن الشاعر الذي ارتدى بردة عكاظ الشعرية في الطائف هذا العام، ومن فاز بجائزة الثبيتي أو العويس؟ باعتقادي في ظل اتساع الهوة بين المؤسسات واحتياج الشعوب في ما يخص حياتها اليومية، فإننا أمام فعل ثقافي يكلفنا الكثير لكنه لا يعطينا شيئا سوى الدعاية السنوية التي ستحفظ لنا اسمنا كعواصم ثقافية قادرة على تقديم الدولارات فقط، وهذا ليس هدفنا بالتأكيد.

شاعر من السعودية

زكي الصدير

:: مقالات أخرى لـ زكي الصدير

زكي الصدير

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر