السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

السبت 25 مارس/اذار 2017، العدد: 10582

نادية الكوكباني وروايتها الجريئة 'سوق علي محسن'

في رواية 'سوق علي محسن' زخم من معارف وعادات وسلوك يضع القارئ في مواجهة جدارية للوقود البشري للثورة، رسمت بألوان لا تخلو من الأحمر الدامي.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/12/11، العدد: 10482، ص(14)]

اليمن في رواية نادية كوكباني مخاص أليم في بلد الحكمة والسعادة

في تناول عاصفة -خلخلت عرشا وأزاحت مستبدا- مغامرة تشبه الكتابة، رهان على بلوغ يقين عبر دروب ومفازات من الشكوك، فلا إبداع «عن» ظاهرة بحجم الثورة، وإنما الإبداع «في» الغوص تحت السطح، وتقصّي ما وراء الظاهر من وقائع وأحداث وعلاقات، وصولا إلى جوهر الحقائق، في سفورها الغامض، والاقتراب من نفوس تداوي جراحها بالصبر، ولا تعي جلال التغيير، وربما لا تعرف ماذا تعني «الثورة» إلا حين تجدها قد بلغت عتبة البيت، أو طرقت باب القلب، فينخرط فيها حالمون بالعدل والحرية، ثم تتواصل الانكسارات، ويتغذّى القتل على جيل آخر خايله الأمل، ولم يحصد إلا الانكسار.

أتخيل نادية الكوكباني قد تردّدت كثيرا، وحيّرتها الثورة اليمنية ومآلاتها، قبل الشروع في كتابة روايتها الجديدة «سوق علي محسن»، ثم اختارت الكتابة عمّا تعرف، والانحياز إلى بشر طيبين، أبرياء لا يطمحون إلى أكثر من حياة كالحياة.

عبر خطين يتوازيان ويتقاطعان تتصاعد «أحلام يونس الحوتي» و«أحلام مهدي الريمي» وهما عنوانا الفصلين الأول والثاني. وإذا كانت الرواية تبدأ بحلم يونس بامتلاك محلّ صغير في “سوق علي محسن” لبيع معد وأكباد الدجاج، وانطلاق صرخة طلائع شبان جامعة صنعاء في 11 فبراير 2011، فإنها تنتهي بانضمام يونس إلى قائمة ضحايا قتلوا من دون أن تفارقهم ابتسامات الرضا بالخيار والمصير.

لا علاقة ليونس وصديقه مهدي بالسياسة، تصرفهما هموم العيش عن رهانات الثورة والتفكير في مستقبل الوطن، ولا يمنحهما حظهما المحدود من المعرفة أكثر من محاولة تلبية احتياجات يومية لأشقاء صغار. قتل أبو يونس في حرب داخلية ظالمة، والمعاش البسيط لا يكفي الأسرة، فاضطرت أم يونس إلى إخراجه من المدرسة، لكي يعول أختا صغيرة وأخا قعيدا. لم يعد يسأل أمّه عن موعد رجوع أبيه، لكي يعود إلى المدرسة؛ لأن إجابة أمّه «لا أدري» أصابته بالضجر، ولعله خشي أن تنفعل فتصارحه في نوبة غضب بأن أباه قتل، والقتلى لا يبعثون. وكبر يونس وترسخ في نفسه أن علي عبدالله صالح هو قاتل أبيه.

جاءت الثورة فرصة لغسل ماضي رجال الأحزاب ومن يريدون التبرؤ من الفساد، كما ألهمت نساء المناطق الفقيرة والقريبة من ميداني «الستين» و«السبعين»، فتحوّلن إلى «مبدعات ومبتكرات في صناعة ونسج وتطريز العلم الوطني»

في مقابل وداعة يونس، كان مهدي الذي يعمل في السوق أكثر نضجا وشعورا بالمسؤولية تجاه أسرته. أبوه مقيد القدمين في زاوية بالدار، اتقاء لإيذاء تتوقّعه الأم، إذ تتراوح حاله بين جنون حقيقي أو مصطنع للهروب من أعباء الحياة. لا تطمئن أم مهدي لما تسمعه عن الاحتجاجات، وتلعن الثورة وشبابها، «لأنهم مخربون للنظام وللأمن والأمان.. يتعاطون المخدرات، وينامون مع البنات في الخيام، وهناك من يدفع لهم المال ليبقوا في الساحة.. لديهم أسلحة مخبأة، وثورتهم ليست سلمية كما يدّعون!»، وهي نموذج لقطاع من الأهالي ينخدع بسراب الاستقرار، على الرغم من خلوّ «سوق علي محسن» من هذا الأمان. كما وقعت في السوق حوادث قتل، لأسباب تافهة، منها مشاجرة انتهت بقتل بائع اتهم بالتحرش بزوجة مواطن، وهو يضع صندوق التفاح في السيارة. قتل الشاب برصاصة أمام صديقه يونس فأيقن أن حياته وحياة من يعملون في السوق «رخيصة، فهي إما لخدمة هؤلاء المتغطرسين بأموالهم في شراء صناديق الفاكهة، أو لإمتاع من في السوق من مالكي أجزائه الكثيرة!!». وكانت أم يونس تنصحه قائلة إن سوق علي محسن «غابة من الوحوش، وعليه أن يكون أسدا ليدافع عن نفسه بزئير يصل أسماع كل من في السوق، أو ينهش كل من يحاول الاقتراب منه بأنياب حادة ومُدمية». إلا أنها أيّدت الثورة، ولم تمنع ابنها أن يذهب إلى ساحة التغيير، وهو الاسم الذي أطلقه شباب الثورة على المساحة المجاورة للجهة الشرقية لبوابة جامعة صنعاء، شرارة الثورة.

كانت أم مهدي تحذّره من أن يقترب من ساحة التغيير، وتحثه على مراقبة أخيه الصغير، ولكن الساحة جذبته مع عربته الصغيرة بما عليها من مأكولات بسيطة، ووجد نفسه غارقا في الأحداث، كما غرق أخوه في دمه، وأخفى مهدي خبر استشهاد أخيه، وأقنع أمه بأنه سافر للعمل في السعودية، في حين ينزف قلبه من الألم وهو يحتمل وحده حقيقة قتل أخيه، ويشعر بأنه مسؤول عن مصيره؛ فهو الذي أغراه بالعمل في ساحة التغيير أيام الجمعة حيث يكثر المصلون والزائرون، واعدا إياه بجني المال من عائد بيع القوارير البلاستيكية الفارغة المتوفرة في الساحة. وبعد قتله يتساءل «هل كان ذلك البلطجي الذي أطلق عليك رصاصته القاتلة يعلم أنه فك إسارك وحررك من وحشة الحياة، ليتوقف شلال آلامك فيها وإلى الأبد؟ نحن الفقراء لا نخسر شيئا عندما يُلقى بنا في الهلاك، نجد في الهلاك خلاصنا، نتحرر من عنت البؤس والشقاء. كنت يا أخي تجاهد بلا جدوى لتحصل على مذاق آخر للحياة، وها هو قاتلك أعتقك من شقاء لا يُحدّ، وآلام لا حصر لها كانت تترصدّك في القادم من الأيام».

رغم الدماء والخسارات الأقل فداحة فقد اكتسب الشعب اليمني وعيا بواقعه ومصيره، ففي اللحظة التي تسلّم فيها مهدي جثمان شقيقه، استمدّ قوة من سلوك ممرضة قاسمته الحزن، وهي تعنى بترتيب أجساد الشهداء، وتستقبل في المستشفى الميداني التبرعات من الأدوية والملابس والأغطية. سيعلم في وقت لاحق أن اسمها «صبحية»، ويعرف صديقيها «كمال ناجي» والمصورة «بشرى عبدالرحمن»، ثلاثة شبان يجسدون الوعي الثوري، وسيدرك مهدي من حواراتهم وأنشطتهم في الساحة أن هناك حياة أكثر رحابة من الفقر. وتصبح الساحة تمثيلا لليمن، بمرتاديها من كل المناطق، تزيّنها وجوه النساء وأزياؤهن قبل اختراق الأحزاب للساحة وسيطرتها عليها، «كانت وجوه النساء غالبة ومجاهرة بثوريتها وفاعلة في الساحة. ثم تحولت المسيرات إلى اللون الأسود بقرار خروج أو بقاء حزبي»، إذ جذبت الساحة أحزابا وموظفين كبارا في الدولة، كل أراد التطهر من ماضيه، بانضمامه إلى الثورة.

جدارية الثورة وصخب الساحات

جاءت الثورة فرصة لغسل ماضي رجال الأحزاب ومن يريدون التبرؤ من الفساد، كما ألهمت نساء المناطق الفقيرة والقريبة من ميداني «الستين» و«السبعين»، فتحوّلن إلى «مبدعات ومبتكرات في صناعة ونسج وتطريز العلم الوطني. قد لا يكون للفقراء اهتمام بشأن الثورة أو التغيير، أو غير معنيين بما يدور في كلا الميدانين؛ لكنهم معنيون بلقمة العيش لأولادهم».

في رواية «سوق علي محسن»، الصادرة في سلسلة روايات الهلال في القاهرة، زخم من معارف وعادات وسلوك يضع القارئ في مواجهة جدارية للوقود البشري للثورة، رسمت بألوان لا تخلو من الأحمر الدامي، عمل صرحي ينهض حاملا تفاصيل تسفر عن صعود الحراك الثوري، والدفء الإنساني الذي يغذّيه، ففي صنعاء يعني «صبوح ‘البلس′ الفاضح بين المتزوجين من سكان المدينة العتيقة على أنه معاشرة زوجية صباحية سريعة لكنها تقطر لذة»، أما صباح الساحة فيكون أغلب أهلها نياما، وأمام مداخل الخيام تتراص أحذية «تختلف في ألوانها؛ لكنها تتساوى في مدى اهترائها وقِدمها»، ولا يبالي أحد إلا بوعود ثورة تتفاعل، كرة من الأحلام تتقاذفها قوى تتمتع بدهاء أكبر من قدرة الأنقياء على توقع خديعة بدأت بخطاب تلفزيوني لقائد المنطقة الشمالية الغربية والفرقة الأولى المدرعة اللواء علي محسن الأحمر، الرجل الثاني في النظام، مالك السوق الكبيرة. أعلن علي محسن تأييده للثورة، ودعمه لشبابها. ولم يفهم مهدي ماذا يعني بقوله «قتل المعتصمين السلميين»، و«التبادل السلمي للسلطة»، و«الانتخابات». ولكنّ أمه استدعت سيرة أبيه الشهيد في حرب لم يخترها، وصرخت بما تحتمله من حزن وقهر «مجرم!!». ولم تدرك الأم أن إعلان علي محسن المراوغ هو أول مسمار في نعش الثورة الموعودة بالعسكرة.

يحتشد الفصل الأخير «أحلام في الانتظار» بجثث الضحايا والغازات السامة، إلا أن القتامة الظاهرة لا تحول دون بقاء الآمال في استعادة ثورة لم تعد ملقاة في الساحات، فهي فكرة لا تموت رغم المرض، ولن تكون قابلة لعسكرتها أو الالتفاف عليها.

روائي من مصر

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر