الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

الثلاثاء 25 ابريل/نيسان 2017، العدد: 10613

فوكوياما.. عزلة الجنرال

رؤية اليمين الأوروبي المتطرف ترتكز اليوم على انتقاد الأشياء التي صنعت التفرد الأوروبي طوال العقود الأخيرة؛ إنه يرى أن العولمة تجعل الأوروبيين أسواقا مفتوحة أمام الآخرين لنهب خيراتها.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/12/12، العدد: 10483، ص(9)]

لا تمثل خسارة الحكومة الإيطالية لمعركة الاستفتاء على التعديلات الدستورية واستقالة رئيس الوزراء، ماتيو رينزي، هزيمة أمام الرأي العام الإيطالي فحسب، بل أيضا هزيمة أخرى أمام أحزاب اليمين التي دخل معها رينزي في مواجهة سياسية كبرى وظف فيها جميع رهاناته التي خسرها في النهاية؛ والآن فإن اليمين المتطرف في إيطاليا يشرئب بأعناقه نحو الأغلبية البرلمانية في الانتخابات المقبلة، ما سيشكل خطوة ثانية بعد الخروج البريطاني المدوّي، نحو تفكك منظومة الاتحاد الأوروبي، حسب أكثر التكهنات تشاؤما.

منذ فوز دونالد ترامب في انتخابات الرئاسة الأميركية في الثامن من الشهر الماضي ومؤشر اليمين المتطرف في القارة العجوز في تصاعد؛ فقد تحوّل فوز الملياردير الأميركي، الذي ولا ينظر إلى العالم إلا بمنظار الرأسمالي الجشع، إلى نوع من السند الروحي لليمين الأوروبي، الذي أصبح يتباهى بأن الرجل الأطول قامة في العالم، وهي أميركا، قد تجرأ على خوض مغامرة اليمين الذي كان الأوروبيون ينظرون إليه على أنه مكوّن نشاز، أو استثناء في الديمقراطيات الأوروبية، وها هي بلاد أليكسيس دوي توكفيل تجعل منه القاعدة لا الاستثناء.

قبل أزيد من عقدين من الزمن خرج فرانسيس فوكوياما بنظريته الشهيرة حول انتصار الليبرالية والعولمة ونهاية التاريخ ومجيء الإنسان الأخير؛ ولم يكن المنظر الياباني الأصل يعتقد أن العولمة ستتلقى الضربة القاصمة في البلاد التي ولدت فيها، فقد كانت آنذاك فكرة جديدة في بدايتها، وكل بداية لا بدّ أن تكون مغرية وحاملة لمبشرات تجعل الناس يلتفون حولها، ولو انتظر الرجل عشر سنوات أخرى على الأقل وألف كتابه، الذي صار اليوم مُتَجاوزا بطريقة دراماتيكية، لخرج باستنتاجات مختلفة تماما.

دافع فوكوياما عن نظرية مفادها أن الديمقراطية الليبرالية هي النموذج الأخير الذي يمكن لإنسان الحداثة أن يعتنقه وأن يكون سعيدا بانتصاره على التاريخ، بوصفه فكرة لاهوتية سامية، كما قال بذلك الفيلسوف الألماني هيغل، الذي استعاده فوكوياما في كتابه بكل غرور؛ ورأى في تفكك الاتحاد السوفييتي إيذانا بغلبة النموذج الديمقراطي الرأسمالي الغربي وتوسعه في العالم ليكون الديانة الجديدة التي سيعتنقها الآخرون، لا بدافع القوة بل بحكم الجاذبية الكامنة فيها.

لكن فوكوياما لم يخرج بذلك الاستنتاج من مختبر مغلق، فقد بناه على معطيين اثنين، المعطى الأول من الفلسفة الألمانية، ومن هيغل بالذات، والمعطى الثاني من مواقف وتصريحات الزعماء الأميركيين والأوروبيين الذين كانوا منتشين بانهيار الاتحاد السوفييتي وهزيمة النمط الشيوعي في السياسة والتخطيط، وأساسا من حيث الوجه الأيديولوجي الذي كان به يناكف النموذج الغربي الرأسمالي؛ وطالما أن العالم كان خاضعا طيلة عقود للقطبية الثنائية، فإن زوال القطب الأول كان يعني بالضرورة انتصار القطب الثاني الذي خلا له الجو، وانطبق عليه المثل العربي القديم “خلالك الجو فبيضي واصفرّي”.

بيد أن الانقلاب على هذا النموذج الليبرالي الديمقراطي كان من داخله لا من الخارج. فقد بنى دونالد ترامب سياسته الانتخابية، كلها، على معاداة العولمة والانفتاح على العالم، وأعلن رفضه للهجرة التي لا تمثل تدفقا للبشر بقدر ما تمثل تيارا يرمز إلى التعددية البشرية والثقافية والقدرة على التسامح والارتفاع فوق النزعات القومية الضيقة، النقيض الموضوعي للعولمة.

وعلى الجانب الآخر في أوروبا الغربية، لم يعد اليمين المتطرف يتحفظ من إعلان مواقفه المعادية للعولمة وللتجمعات الإقليمية والدولية، كالاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي. وكان تصويت البريطانيين على الخروج من الاتحاد نقطة أضعفت الديمقراطية الليبرالية حسب الكثيرين، لأن الاستفتاء كآلية من آلياتها أعطى نتيجة معاكسة، حتى أن عددا من الأصوات بدأت تتعالى منتقدة هذه الآلية التي يمكن أن تؤدي إلى نتائج كارثية مناقضة للثقافة الأوروبية المبنية على الديمقراطية الخيرة.

رؤية اليمين الأوروبي المتطرف ترتكز اليوم على انتقاد كل تلك الأشياء التي صنعت التفرد الأوروبي طوال العقود الأخيرة؛ إنه يرى أن العولمة تجعل الأوروبيين أسواقا مفتوحة أمام الآخرين لنهب خيراتها، وينظر إلى الاتحاد الأوروبي كما لو كان ناديا يخدم فيه البعض مصالح البعض الآخر مضحيا بمصلحته هو، ويعتبر الهجرة تهديدا للخصوصية الثقافية القومية. وفي الوقت الذي يزحف اليمين نحو صدارة المشهد السياسي في أوروبا، يزحف الجنرال مع نظريته حول نهاية التاريخ نحو عزلته.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر