الاربعاء 13 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10841

الاربعاء 13 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10841

ماذا لو عاد عصر الرسالة الآن!

في ذكرى المولد النبوي الشريف نكاد نفقد الأمل في الجيل الحالي من 'الدعاة'، القدامى والجدد، فلا يسعى الكثير منهم إلى البحث في فقه الحاضر والتخلي عن خطاب استعلائي يحصن الضعف بأقوال وشعارات لم تصمد في اختبار الوقائع.

العرب سعد القرش [نُشر في 2016/12/13، العدد: 10484، ص(9)]

لا يجرؤ روائي أو مسرحي مسلم على كتابة عمل أدبي يتخيل فيه عودة عصر الرسالة الآن؛ لكي نرى أحوال ذلك العصر وأحوال عصرنا، كما جرؤ ديفيد هربرت لورانس في روايته “الرجل الذي مات” (1929) على كتابة بعث متخيّل لعصر السيد المسيح، بعد أيام من الصلب، ويعترف لمريم المجدلية بسعادته بحياته الجديدة “المعلم والمخلص فيّ قد ماتا ويمكنني الآن أن أفعل ما شئت وأن أعيش حياتي الخاصة”. ويعرف كاهنة معبد إيزيس في سيناء، وتأخذه المغامرة إلى منتهاها، رغم مناشدة أتباعه أن يظل على هيئته الأولى. لم يكن مطمئنا، ولكنه صار أكثر خبرة، فيقول للمرأة “لن أقبل أن يخوّنني أحد مرة ثانية”، ويغـادرها هاربا من مطاردة الرومان، ويعدها بالعودة “لقد غرست بذرة حياتي وبعثي ووضعت لمستي إلى الأبد في أحلى امرأة في هذا الزمان.. وسوف يكون الغد يوما آخر”.

في مقدمة الترجمة العربية التي أصدرتها “روايات الهلال” عام 1997، كتب المترجم رمسيس عوض أن عنوان الرواية كان “الديك الهارب”، وأنه لا يستهدف بنشرها إساءة إلى الدين المسيحي، “فليس هناك ما هو أغلى منهما لدى مترجم هذه القصة. والذي أغراني بترجمتها والسعي إلى نشرها ما تتسم به من غرابة من ناحية ورغبتي في إلقاء الضوء على نمط من الفكر الغربي لم نألفه في الشرق من ناحية ثانية”.

في سيناء سيكون المشهد عبثيا، القاتل والقتيل يصلّيان قبل قطع الرقاب، كلاهما يكبر الله. الـداعشي المتعطش للدم يتقرب إلى الله بالقتل، ويبدأ طقوس الذبح برفع صوته بحمد الله، والشيخ الزاهد سليمان أبوحراز (98 عاما) يحتسب في صمت دمه عند الله، ويشفق على الخوارج الجدد، تنظيم أنصار بيت المقدس، وتولى خطباء الجمعة ترديد السب بدافع ديني، ذلك الذي استبدله عمر بن عبدالعزيز بـ“إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى”، وتختتم بها إلى الآن أغلب خطب الجمعة بمصر.

سنرى بعيون عصر الرسالة أن الذين يدعون التمسك بالشريعة غرباء عن العصر، ليسوا الفرقة الناجية، ولكنهم فرق وشيع ليسـوا من الإنسانية في شيء، ونرى المغالين بأنهم تركوا هداية ذلك العصر الإنسانية، وما ينفع الناس إلى يوم الدين، ذلك العصر الذي لم يترك صيغة للحكم، مع وضـع معالم صـارمة لسـراب اسمه “الخلافة” أو غيرها، فمنذ اللحظة الأولى وقع اتفاق وشقاق، ورفعت راية عصبية قرشية، وفي مدينة الأنصار طغت روح قريش، مغالبة لا تحتمل المشاركة ولا تعترف بالكفاءة. فرُفض شعار “منا أمير ومنكم أمير”، وقيل حينها “لا يجمع سيفان في غمد واحد”.

وفي ذكرى المولد النبوي الشريف أكاد أفقد الأمل في الجيل الحالي من “الدعاة”، القدامى والجدد، فلا يسعى الكثير منهم إلى البحث في فقه الحاضر، والتخلي عن خطاب استعلائي يحصّن الضعف بأقوال وشعارات لم تصمد في اختبار الوقائع، حين جرى استنطاق “الدين” وتأويل النصوص لخدمة توجهات سياسية، فمع المد الاشتراكي كان الإسلامي اشتراكي النزعة، وأصدر أول مراقب عام لجماعة الإخوان المسلمين في سوريا مصطفى السباعي كتابه “اشتراكية الإسلام”، وفي السبعينات من القرن الماضي أصبح الإسلام ذا طابع رأسمالي، ونزعوا عن الاشتراكية فضيلة العدالة، واقترنت لدى الكثيرين ومنهم محمد الغزالي بالماركسية والإلحاد.

ولا تخلو الممارسة والوقائع الحالية في مصر من استبداد وطائفية رغم التبني الرسمي لخطاب المواطنة وتمكين الشباب. وهكذا لاحقه “الدعاة”، وأصبح الإسلام دين المواطنة وتمكين الشباب. ويكفي أن تقرأ مجلة “المصور” المصرية (7 ديسمبر 2016) بمناسبة ذكرى المولد النبوي، وقد احتشدت بالعشرات من المقابلات والمقالات لرجال الدين، أما رجال المال فيمثلهم حسن راتب الذي قدم شروطا لرؤية الرسول “في المنام واليقظة”، ولا تسأل عن بيزنس لا دين له إلا الربح، فالرجل يغير ولاءه بسلاسة بحذاء القصر، من حسني مبارك إلى محمد مرسي إلى عبدالفتاح السيسي.

العدد الخاص من “المصور” وعنوانه “محمد نبي الدولة المدنية” حالة يجب أن تدرس، ويبدو مصطلح “المدنية” نسبة إلى “المدينة المنورة”، فاليمين الديني ممثلا في السلفيين والأزهر أربكه أن ينص دستور 2014 على أن مصـر “دولة مدنية”، ولم يحتمل الكلمة وأصر على إثبات أن مصر “حكومتها مدنية”. وعلى الرغم من إشادة العشرات من “الدعاة” بدستور المدينة والتسامح الإسلامي وعدم التمييز، لم يقدم أي منهم قراءة للظرف التاريخي لكي يجيب عن سؤال يخص نسف التطبيق للنص بمجرد وفاة عمر بن الخطاب، فما أسهل الكلام المجاني، ولكن سكرة الفخر كاشفة للحقيقة.

فعبدالله رشدي الذي يحمل لقبي “دكتور” و”داعية إسلامي” يقول “إن المدنية في الإسلام لا تعني الخروج عن شريعة الإسلام لأن الشريعة الإسلامية تحفظ لغير المسلمين حقوقهم، ولذلك فأي دعوة تنادي بتحييد الشريعة أو إلغاء الشريعة تحت ستار الدولة لمدنية وحقوق الآخرين هذه دعـوة مرفوضة لأن الإسـلام وضع حقـوق غير المسلمين والإسلام أول من أسس حق ومبدأ المواطنة”. كلام مدرسي ينتمي إلى التاريخ، ولا يدرك قائله أن “المواطنة” ينتفي معها أي لغط عن حقوق لغير المسلمين، لأن ديانة المواطن وعقيدته أو إلحاده لا تكون موضع تسامح أو تحامل، وهو ما لا يعرفه التاريخ الإسلامي أو العالم الإسلامي المعاصر إذا أردنا مصارحة أنفسنا بالحقائق.

ويزايد خالد عمران الذي يحمل لقبي “دكتور” و”أمين الفتوى بدار الإفتاء” قائلا إن الدولة المنشودة “تحترم الدين وتقدر خصوصياته ومرجعيته في الحياة، فهي ليست دولة علمانية”. وكأن مصطلح “العلمانية” أكل عيش يضمن استمرار رواج البضاعة الدينية، وإذا صدق الكلام فعلى أصحابه دعوة مطاريد العالمين العربي والإسلامي من “الدعاة” والمظلومين للعودة إلى التنعّم بسماحة ديار الإسلام، والتخلي عن جنسيات دول علمانية لا تتخذ الدين، أي دين، مرجعا في الحياة أو القوانين. أما الشيخ أحمد كريمة فيقول في العدد نفسه إن “الديمقراطية الغربية أسوأ نموذج في العالم”. بهذه الجرأة يطلق الشيخ “الأكاديمي” حكما قاطعا. وقد سمعته في ندوة في معرض القاهرة للكتاب (2 فبراير 2016) يقول إن “الشريعة تتضمن جريمة الردة. من ينكر معلوما من الدين بالضرورة، ويطعن في أصل من أمور الدين يجلس مع العلماء ثلاثة أيام ليستتاب”.

لا مكان لوهم اسمه “الاستتابة” في أي قانـون آدمي، ولكـن كريمة يلح عليه مع “دعاة وسطيين” منهم الجفري ومحمد الشعراوي الذي أفتى بقتل تارك الصلاة إنكارا، “وإن كان كسلا يستتاب ثلاثة أيام ثم يقتل”.

وكما يقتل الدواعش مسلمين بشبهة الردة، قتل فرج فودة بفتوى الردة، وعلى “الدعاة” والدواعش، وتستطيع حذف الواو بين الصنفين، أن يجهزوا ردا للرسول الكريم إذا بعث حيّا.. وهو حيّ بسنته.

روائي مصري

سعد القرش

:: مقالات أخرى لـ سعد القرش

سعد القرش

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر