الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

غيابك حضور جديد في الوجدان

صادق أيها الشامي السوري/ الفلسطيني، يا من كانت فلسطين همك الكلي ممارسة نظرية وممارسة عملية، سيبكيك زيتون الجليل كما ياسمين دمشق.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2016/12/13، العدد: 10484، ص(14)]

ورحل صادق، رحل بكل ما يختزن من آمال كبيرة ومن تمرد الأنا الكلي على العالم، رحل صادق ممتلئا بثورة السوري بكل صلابة وقوة، رحل الصديق الذي لم يغادرني ولم أغادره حتى حين تقطعت بنا سبل اللقاء وتشردنا في منافي الأرض، رحل الزميل الذي ملأ قسم الفلسفة بالحياة. رحل الذي واجه الموت بموقف الفيلسوف وبقهقهة الطفل قبل أن يدخل مبضع الجراح إلى رأسه المشع: إنها الثمانون يا أحمد. قالها لي على الهاتف قبل يوم من دخوله المشفى.

رحل صادق وهو يقتحم أشد الحصون المعادية للإنسان: لاهوت نفي الذات والاستبداد بكل ما يمتلك من حب للحياة، الحياة لكل أبناء الحياة. رحل صادق المتأفف من نقص العالم، الزاهد بالسلعة، والثري بالفكرة، المعتد بانتمائه الشامي حتى العظم. أجل خاض صديقي غمار النقد متأففا من نقص الوجود وآملا بما يجب أن يكون عليه الوجود وأحواله. من ماركسيته المدافعة عن العدالة، إلى عقلانيته المهجوسة بالتفكير، إلى علمانيته صورة للحكم إلى علميته طريقا للتقدم إلى إيمانه بالحرية نمط وجود للإنسان.

تجربة من العمر طويلة قضيناها معا يا صديقي، عرفتنا مدرجات كلية الآداب معا، جلسات التفكر والتفكير بمصيرنا معا، التسكع في مطاعم دمشق معا، الحوارات الحارة معا، الشعور المتبادل بالهم الفردي والهم الكلي، حاضرنا معا في عموم البلاد، ضحكنا معا، وحزنا معا، وتمردنا معا. تناقدنا؛ قسوت عليّ وقسوت عليك بالكلام، بالكلام الذي صار إرثا لا يفنى في كتابيك ذهنية التحريم وما بعد ذهنية التحريم وفي كتابي أسرى الوهم كنّا مثالا في الروح الطليقة والمحبة، بل زادنا النقد المتبادل قربا من بعضنا.

عمر قضيناه معا. سيذكر بيتك في المهاجرين المطل على جبل قاسيون السليب تلك اللقاءات الطويلة ونحن نحضر لأسابيع الفلسفة التي أردناها لحظة في تشكيل الوعي التنويري. سنوات أربع كان قسم الفلسفة فيها وأنت تحمل مسؤولية رئاسته، منبعا ثرا للأفكار، وحين أحس المستبدون بخطورة ما نقوم به اغتالوه. حلمنا معا يا صديقي بسوريا الخالية من الوسخ التاريخي وانتمينا معا إلى روح الشعب الثائر واغتربنا معا. روحك الوقاد لم يهن ولم يدخله القنوط أو اليأس، بل كلما زادوا همجية ازددت إيمانا بقوة الشعب السوري وثورته وتحقيق مصيره المنشود.

صادق أيها الشامي السوري/ الفلسطيني، يا من كانت فلسطين همك الكلي ممارسة نظرية وممارسة عملية، سيبكيك زيتون الجليل كما ياسمين دمشق. وستخلد ذكراك نفوس الأجيال العربية مدافعا قويا عن الحياة والحق والحريّة. صادق لن تغيب أبدا. بل غيابك حضور جديد في الوجدان. وداعا يا صديقي يا من رحلت رافع الرأس ثائرا لا يلين.

كاتب من فلسطين مقيم في الإمارات

أحمد برقاوي

:: مقالات أخرى لـ أحمد برقاوي

أحمد برقاوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر