الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

بانوراما فنية وثقافية عربية وعالمية تلون أروقة البحرين

  • كعادته أتى المشهد التشكيلي في البحرين خلال سنة 2016 التي شارفت على الانتهاء متجددا ومتنوعا، فما إن تنتهي تجربة في غاليري “الرواق” حتى تصادفنا تجربة أخرى في غاليري “البارح”، وما إن ينتهي التصفيق في غاليري “هند” حتى يعود الجمهور محملا بتجربة جديدة في مركز الفنون أو جمعية البحرين التشكيلية، لتنتهي السنة التشكيلية البحرينية كعادتها كل عام بمشروع “العش” الذي يختزل حالة تجريب مفتوحة على أعمال فنية مبتكرة سواء لثلة من الفنانين البحرينيين والخليجيين أو العرب والأجانب.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2016/12/14، العدد: 10485، ص(16)]

عالم ما بعد الحداثة

مشهد فني مشغول بالحمولات الثقافية العربية والعالمية المختلفة رصدتها عيون الفنانين، سواء من البحرينيين أو من العرب المقيمين أو العابرين في سنة 2016، لتكون سنة الخصب التشكيلي البحريني كما وكيفا، سنة آمن فيها الفنانون بأنفسهم فأصروا على تقديم التجارب المدهشة التي تليق بتأملاتهم الشخصية وخبراتهم اليومية.

ومن بين التجارب الرائدة في مجال الفنون التشكيلية البحرينية لسنة 2016، تأتي إدارة الفنان والنحات البحريني علي المحميد لغاليري “هند” بالمحرق كمهمة فنية صعبة، وهو الذي يحاول تقديم التجارب الفنية المقيمة والزائرة عبر فتح نوافذ متعددة بين الغاليري وجمهوره الذي بدأ يكبر يوما بعد يوم.

فعلى امتداد ما يناهز عقدا كاملا كان هدف الغاليري الصعود بالذائقة الجمالية للمتلقي، فاتخذ مديره من منصة المعرض نافذة قدّم من خلالها هذا العام العديد من التجارب المحلية والعربية والعالمية، لعل أبرزها تجربة كادي مطر وأريج رجب ومحمد نشأت وميريل كوبر ولا سيما باقي وسعيد مرهون وأيمن حاجي وغيرهم.

وبينما استمر الفنانون في عرض تجاربهم في غاليري “هند” وفي بقية الغاليريات المتنوعة بالبحرين، أتى مهرجان البحرين الدولي الخامس والعشرون للموسيقى فافتتح معرض “توازٍ” للفنانين البحرينيين علي حسين ميرزا وميسم الناصر ومحمد حداد على صالة مركز الفنون بالمنامة في أكتوبر.

فقدّم الفنانون الثلاثة خمسة أعمال مفاهيمية تدور حول الإنسان المنعزل في تفاصيله اليومية وسط الجموع، فهو بينهم لكنه ليس معهم، إنه منهم لكنه خارج عنهم ضمن تصوراته وعوالمه وخيالاته التي قد تأخذه إلى آخر العالم دون أن يلتقي بأحد فيه، ليعود إلى ذاته من غير أن يدرك أن الآخرين كانوا معه على متن الرحلة نفسها دون أن يتنبهوا له أيضا.

مريم العرب وحسين الموسوي جعلا من جذوع النخل مقاعد للفرجة على شاشة تستعرض فيلما للبحرين المعاصرة

حدود الهوية

وتحت شعار “وجهتك البحرين” حفل شهر يناير الماضي كعادته بمعرض البحرين السنوي للفنون التشكيلية في عامه الثاني والأربعين بمشاركة كوكبة من الفنانين والفوتوغرافيين والنحاتين والخطاطين البحرينيين، الذين قدموا تجاربهم المختلفة في صالة غاليري المتحف الوطني بالمنامة، متخذين لفضاءاتهم الحرة في مساحاته الكبيرة مناطق لاشتغالاتهم المفاهيمية والتراثية والتركيبية والتجريدية والانطباعية.

تفاوتت الأجيال الفنية المشاركة في المعرض، غير أن هؤلاء الفنانين استطاعوا أن يقدموا تشكيلة فنية ذات مناخ واحد قادر على تقديم تصور عن الحالة الفنية العامة للمشهد الثقافي البحريني.

ومن هناك قدم كل من مريم العرب وحسين الموسوي عملا فنيا مغايرا لكل تجارب المعرض الثابتة، حيث فضلا أن يقدما تجربتهما في ركن ممزوج بين التراث والحداثة، جاعلين من جذوع النخل مقاعد للفرجة على شاشة تستعرض فيلما وصورا للبحرين المعاصرة، يوضح حالة اختطاف هويتها، ومدى التغيّرات الكبيرة التي حصلت للسواحل بفعل الكائنات الأسمنتية الميتة، وبسبب سطوة مشروع دفن الشواطئ البكر التي لم تعد موجودة الآن، حيث اختطفت هذه السطوة العقارية الذاكرة الجمعية للناس أمام ذاكرة جمعية جديدة لا تنتمي إليهم.

ومن التجارب الفنية الملفتة أيضا هذا العام تحضر التجربة العربية الجماعية التي أخذت عنوان “حدود الهوية”، والتي احتفى بها غاليري “الرواق” بالمنامة، وبالتعاون مع “آرت بحرين” في شهر مارس الماضي.

معرض “حدود الهوية” جمع مجموعة من الفنانين العرب الناشئين، مطلقا العنان أمام مخيلتهم للعمل على مشروع الهوية بأي صورة من صور الفن التي يريدونها، غير أن المتابعين للمعرض وجدوا أن الكثير من الأعمال المشاركة كانت تسير في طريق، بينما أتى عنوان المشروع في طريق آخر.

وكأن منظمي المعرض أجبروا تأويلات الأعمال المشاركة على أن تذهب قسرا تحت مظلة “حدود الهوية”، بمعنى أن الأعمال في الأصل لم تصنع من أجل هذا المشروع، وبعضها فعلا سبق وأن شاركت في معارض شخصية وجماعية للفنانين.

وشارك في المعرض كل من أحمد عز، وعيسى سوان، وحسين السماعيل، وجاسم الضامن، وجنين شرابي، ومشعل العبيدالله، ونوف السماري، وسمر م، وسارة قائد، وسيما عبدالله، وسكنة حسن.

وقد أراد هؤلاء الفنانون أن يقدموا أسئلتهم الوجودية الخاصة بقلقهم حيال الهوية ودلالاتها الإنسانية في عصرنا الحالي، عبر عدة تجارب فنية تنوّعت بين التجريدية والانطباعية والتركيبية والمفاهيمية والواقعية والرمزية، ليعبّروا عن موقفهم حيال عالم ما بعد الحداثة، حيث تمتزج التيارات والأفكار الثقافية ببعضها البعض مشكّلة صوراً قلقة تستغل حالات الأمان الداخلية النادرة لقلق وارتباكات الهوية.

واستضافت مساحة “الرواق” معرض “دفاتر فنسنت فان غوغ” لكل من الشاعر قاسم حداد والفنانة طفول حداد والموسيقار محمد حداد، وفيه دشّن قاسم حداد الطبعة الثانية من مجموعته “أيها الفحم يا سيدي: دفاتر فنسنت فان غوغ”، كما قدّم حداد مجموعة أعمال فنية مستوحاة من حياة فان غوغ الفنية بالاشتراك مع ابنته طفول حداد، وبلغ عدد الأعمال 66 عملا تفاوتت اشتغالاتها وموادها وأحجامها، لكنها اتفقت جميعها على فان غوغ.

هذا، بالإضافة إلى إطلاق ألبوم موسيقي تحت عنوان “فنسنت” من تأليف الموسيقار البحريني محمد حداد الذي استلهم مقطوعاته الموسيقية جميعها من حياة فان غوغ وكتاب قاسم حداد، محاولا التجسير الفني الجاد بين عالمين عظيمين؛ الشرق والغرب بلغة موسيقية متاحة لقراءة الجميع.

غربة الإنسان المعاصر في معرض "تواز"

وخاض الفنانان محسن المبارك من البحرين ونور السيف من السعودية غمار تجربة تشكيلية ثنائية جديدة، حاولا من خلالها أن يذهبا بأعمالهما عميقا في فلسفة الإنسان وعزلته وتأمله الوجودي، من خلال تركيزهما على العيون بوصفها بوابة كاشفة للحقيقة التي يختبئ وراءها الكثير من المسكوت عنه على المستوى الذاتي والاجتماعي والسياسي.

واشتمل المعرض على 44 عملا فنيا تنوّعت كلها بين السوريالي والتركيبي والمفاهيمي وأعمال الحفر، واعتنى الفنانان في تجربتهما بشكل خاص بمجموعة بورتريهات منفصلة قدّمت للمتلقي حيوات متعددة لكائنات من العزلة، التي استطاع السيف والمبارك أن يحوّلا المتلقي عبرها لمادة للفرجة والمشاهدة في صورة فنية معكوسة، يقوم فيها العمل نفسه بمراقبة الجمهور والحكم عليه وقراءته، وذلك من خلال إشراك المتلقي في تكوين بعض اللوحات الفنية بنفسه في مشهد تفاعلي مع مكوّنات العمل الفني عبر ارتداء الأقنعة أو النظارات المعدنية المطلية، والوقوف خلف البراويز الفارغة.

فعالية العش

شاركت في مهرجان “العش” الذي يختتم في أواخر ديسمبر الجاري نخبة من الفنانين البحرينيين والخليجيين والعرب والأجانب، ضمن مشروع تلمس المتلقون من خلاله حالة التجريب المفتوحة للأعمال الفنية التي قدّمت في الشوارع ومساحات الأزقة الضيقة بين البيوت والمواقف العامة في حي العدلية رقم 338، بمدينة المنامة.

ويهدف مهرجان “العش” من خلال هذا التجمهر الفني إلى جمع أطياف مختلفة من النسيج الاجتماعي والثقافي في البحرين، من مصممين وفنانين ومؤسسات بهدف نشر الثقافة الجمالية بين الناس، حيث تخرج اللوحة من الغاليريات الكلاسيكية لتعانق الناس في الشوارع العامة.

العنوان الذي حمله مهرجان “العش” في الدورة الأخيرة، هو “ملتقى” والذي يهدف إلى تسليط الضوء على التنوع التاريخي والثقافي للبحرين من خلال أعمال فنية تحاول أن تفكك الواقع الاجتماعي وتحلل نسيجه ضمن السياق الخليجي، وذلك عبر الاشتغال على العادات والتقاليد والطقوس التي يمارسها المجتمع.

وتروي هذه الحزمة الثقافية قصصا وحكايات من جميع مناحي البحرين والخليج العربي، لتجيب على مجموعة أسئلة ذات طابع فلسفي يمكن اختصارها في: من أين أتينا؟ وكم هي المسافة التي قطعناها؟ وإلى أين نحن ذاهبون؟ ولماذا؟

هذه الوقائع الوجودية يحاول ملتقى “العش” عبر فنانيه ومثقفيه أن يجيب عليها بطريقتهم، ولا يتوقف “العش” عند هذا الحد الفلسفي، فهو أيضا منصة للتعريف بالمواهب الفنية من خلال العروض الحية وتسويقها على الجمهور في سوق فني مصاحب للمعرض طوال فترة إقامته.

وشارك في المهرجان هذا العام ستة وثلاثون فنانا وفنانة، تقدموا بأعمال متفاوتة الاشتغال والتجريب على منصة ذات أبعاد وفضاءات مفتوحة، حاولوا من خلالها أن يعبّروا عن قلقهم تجاه فكرة الأمان والسلام والطمأنينة التي تتيحها مفردة “العش” في لا وعي المتلقي.

يعود بنا الفنان الكويتي محمد الكوح إلى زمن لم يعشه أو يتمنى أن يعيشه، فيرجع جمهوره إلى الماضي، وذلك من خلال تقنية تلوين الصور باليد، الأمر نفسه نجده لدى خلود نصيف، لكن بتقنية الخشب الملفوف على هيكل من الفولاذ الصلب مكونة الكرسي الذي يجمع عناصر من كل بيت بحريني.

ويقدم زهير السعيد عملا تركيبيا على قماش بعنوان “الحقيقة”، ويقدم الإسباني روبين سانشيز منشأة فنية تتمثل من رأسين متواجهين يمثلان الأفكار والثقافات وتنوعها واختلافها، كما عمل الفنان علي حسين ميرزا على تجربة بصرية حملت عنوان “الأرض”.

ومزج مصطفى الحلواجي الخط العربي بدوائر المندالا في جدارية ضخمة مقتبسا من جلال الدين الرومي مقولته “الآن هو الوقت المناسب لتوحيد روح العالم”، مكتوبة بأكثر من لغة في محاولة لبثّ روح التسامح، في حين التمس كل من سمية عبدالغني وجاد الخوري وفائقة الحسن من الهوية منهجا لأعمالهم، وذلك عبر التصميم والنحت والبناء لينتجوا حالة من الاندماج الثقافي بين الشعوب المختلفة.

مهرجان (العش) يهدف إلى إخراج اللوحات من الغاليريات الكلاسيكية لتعانق الناس في الشوارع العامة

وضمن السياق نفسه استمرّ الفنانون أحمد العريفي وأحمد المناعي وعبدالله هندي وسفيان سنكلير في إنجاز منشأة فنية من وسائل مختلفة، بهدف خلق وعي جديد يساهم في رفع مستوى الذائقة الفنية.

وقام الفنان هيوفيل بتكوين جداريات في الشوارع في محاولة لتحويل التخريب إلى مساحات إبداعية وجمالية، وهكذا استمرت أعمال فناني “العش” بين عمل تفاعلي، أو نحتي، أو مفاهيمي، أو تركيبي، حيث قدم عثمان خنجي “أعد التدوير”، ووئام سبيرنك عمل “الدستور”، وعادل العباسي عمل “النسيج الاجتماعي”، ومحسن المبارك عملا بلا عنوان خلق من خلاله جدارية هزلية للصورة النمطية للمجتمع البحريني الحديث.

وقدّم ناصر الزياتي عمل “تسقي البعيد وتخلي القريب”، واشتغل أحمد عدنان على الأشرعة كرمز تاريخي للبحرين وثقافتها البحرية، وقدمت عواطف الصفوان “قصة جحا”، واستوحت الفنانة غادة الحسن مجموعتها الفنية المشاركة من المخطوطات القديمة التي رسمت معالم الأرض وحدودها، حيث تطورت الحدود لتتحول إلى سياسات وتقسيمات قائمة على العرق والدين والطبقة.

وكجزء من مشروع “العش” المتنوع لهذا العام فتحت مساحة “الرواق” معرضها ليكون فرصة لاستكشاف الأزياء والمنسوجات والتصاميم المختلفة لمصممي الأزياء المعاصرين من منطقة الخليج العربي، فعرضت المصممة الإماراتية خلود آل ثاني تصاميمها التجريبية، واستعرضت كل من المصممتين البحرينيتين هالة كيكسو ولولوة الأمين مسارات في رحلتيهما الشخصية في عالم التصميم، موضحتين مقدار تأثر البحرين بالدول المجاورة لها أو بالدول البعيدة عنها، بالإضافة إلى دورها وتاريخها كميناء أثّر على الحالة الثقافية والفنية وعلى شكل التصاميم والبنيان والملابس.

تفاصيل أخرى:

محسن المبارك: حركة عامرة تفتقد للنقد الفني

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر