الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

الجمعة 20 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10787

الجهاد والهجرة عند التيار التكفيري

  • ارتبط الجهاد بالهجرة في التاريخ الإسلامي المكتوب والمدون، حتى أن الكثيرين لا يفهمون الجهاد إلا في ظل هذا الارتباط. وقد أولى المسلمون منذ البداية أهمية قصوى لقضية الهجرة، انطلاقا من الهجرة النبوية من مكة إلى المدينة، حتى أنهم اتخذوا منها محطة للتأريخ. وخلافا للمسيحيين الذين اعتمدوا ميلاد المسيح منطلقا للتأريخ والتحقيب، ما جعل المسيحية ترتبط بشخص المسيح في ذاته، فإن اتخاذ المسلمين للهجرة منطلقا للتحقيب قد جعل الإسلام مرتبطا بحديث سياسي أكثر من ارتباطه بشخص النبي.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/12/14، العدد: 10485، ص(13)]

الهجرة بالعائلة نحو وهم التكفير وجحيم القتل

وقد ترتبت على هذا الارتباط بين الهجرة والجهاد قضايا خطيرة في عصرنا الحديث، حيث أصبحت الجماعات المتطرفة تنادي بالهجرة كشرط للقيام بالجهاد، والعزلة عن المجتمع، والعداوة له. كما ترتبت على هذا الارتباط أيضا قضية أكبر من ذلك، وهي اعتبار العمل الإصلاحي من داخل المجتمع من أجل تغييره عملا مرفوضا، لأنه لا ينبني على الهجرة.

لذلك نجد الكثير من الجماعات المتشددة تبني فكرها كله على الهجرة والخروج عن المجتمع، أو تطلق على نفسها تسميات تشير إلى ذلك المعنى، مثل”التكفير والهجرة”؛ وانتشرت منذ الستينات من القرن الماضي أفكار متطرفة نابعة من هذا التفسير المتعسف للهجرة في الرعيل الأول للإسلام، مثل فكرة المفاصلة أو العزلة الشعورية التي نادى بها سيد قطب، واتخذتها جماعات متطرفة منطلقا لعملها.

وتقودنا قضية الارتباط بين الهجرة والجهاد إلى نتيجة أخطر من ذلك كله، وهي تكفير المجتمع. وذلك لأنه إذا كان على المسلمين هجرة المجتمع -كما يزعم المتطرفون- فهذا معناه أن ذلك المجتمع مجتمع كافر.

وقد أصل سيد قطب لهذه الفكرة من خلال إلحاحه على مسألة المفاصلة بين جماعة المؤمنين وبين المجتمع الجاهلي، وبذلك وضع الأرضية الخصبة لنماء الفكر التكفيري وتيار العنف في العصر الحديث.

يركز الجهاديون على ضرورة الانطلاق من النقطة الأولى التي انطلق منها الإسلام الأول، وهي الهجرة، فهي بالنسبة إليهم الأساس الذي يقوم عليه الإسلام كله: فبعد الهجرة تم تشريع الجهاد، وبعد الهجرة تم إنشاء الدولة الإسلامية. ومن هذا المدخل يجعلون الهجرة واجبا عينيا على المسلمين، ويعتبرون تركها من الكبائر التي يأثم الشخص المسلم إذا ترك العمل بها.

ونتيجة لخلط التيار الجهادي بين الصدر الأول للإسلام وبين العصر الحالي، فقد أسقطوا واقع مكة والمدينة في تلك الحقبة على واقع العالم الإسلامي كله اليوم، فبلدان العالم الإسلامي جميعها بالنسبة إليهم مكة في الواقع التاريخي القديم، أما مجتمع المدينة فإنهم يمثلون له بالتنظيم الذي ينتمون إليه، أو المكان الذي يستقرون فيه، كما هو الحال بالنسبة إلى المناطق التي يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام.

ولذلك ليس غريبا أن نجد إلحاحا أكبر على قضية الهجرة منذ إعلان إقامة ما سمي بالخلافة عام 2014 من لدن هذا التنظيم، فقد تم إحياء مقولة مكة والمدينة والشرك والإيمان ودار الكفر ودار الإسلام، حتى أننا نرى لديهم تأكيدا واضحا على أن الهجرة فريضة إسلامية يكفر من تركها، لأنه بذلك يقيم بين ظهراني المشركين. وفي العدد الأول من مجلة “دار الإسلام” التي يصدرها تنظيم داعش، نلاحظ أن الافتتاحية -التي تتوجه خاصة إلى مسلمي أوروبا ومن خلالهم إلى باقي المسلمين في العالم- تشير إلى أن عنوان المجلة الهدف منه القول بأن الذين لم يهاجروا إلى الدولة “هم في خطر أينما كانوا تحت الشرك في الدنيا والآخرة”، وتتوعد الذين يرفضون الهجرة بالعذاب يوم القيامة.

ويعرض لنا ابن قيم الجوزية -الذي عاش في القرن الثامن الهجري/الثالث عشر الميلادي- رؤية دقيقة لمسألة الهجرة، يستفاد منها أن الهجرة تعني اختيار العمل الصالح والوقوف مع صف الإصلاح في المجتمع، والتمسك بالمبادئ الكبرى للإسلام. فهو يقول في كتاب”إعلام الموقعين”:”ولا يتم الجهاد إلا بالهجرة، ولا الهجرة والجهاد إلا بالإيمان… وكما أن الإيمان فرض على كل أحد، ففرض عليه هجرتان في كل وقت: هجرة إلى الله عز وجل بالإخلاص، وهجرة إلى رسوله بالمتابعة. وفرض عليه جهاد نفسه وشيطانه، فهذا كله فرض عين لا ينوب فيه أحد عن أحد، وأما جهاد الكفار والمنافقين فقد يكتفى فيه ببعض الأمة”.

ابن قيم الجوزية يركز على مبدأين، مبدأ الإخلاص ومبدأ المتابعة، ولم يشر إلى قضية الهجرة المكانية، لأن الحديث النبوي الذي يقول “لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية” يدل على أن الهجرة كانت مشروطة بواقع المرحلة المكية التي كان فيها المسلمون واقعين في ظروف صعبة بين المشركين، فشرع لهم الهجرة إلى المدينة، أما بعد فتح مكة، حيث أصبحت دار إسلام، فلم تعد هناك ضرورة للهجرة.

ولكن هذا الفقه يرفضه التيار التكفيري الذي يصر على خلق حالة من التوازي والمطابقة بين العصر الأول للإسلام وبين عصرنا الحالي، ويرمي بالكفر جميع المسلمين لأنهم -وفق رأيه الفاسد- يأبون الهجرة ويرضون بالبقاء “في مجتمعات الكفر والشرك”.

ويمثل بقاء مثل هذه الأفكار راسخة اليوم في فقهنا الإسلامي خطرا على الإسلام نفسه، ذلك أنها تسعى إلى تقسيم المجتمعات وخلق الفتنة الدينية بسبب التركيز على مبدأ العزلة والمفاصلة وتكفير جميع المسلمين. وتؤدي تلك الأفكار بالضرورة إلى تفكيك المجتمع الإسلامي بخلق فسطاطين متقابلين، فسطاط الكفر وفسطاط الإيمان، وتقسيم المسلمين إلى مؤمنين وكفار على وفق التفسيرات والتأويلات المشوهة للدين، بحيث تصبح فئة صغيرة متطرفة تمثل الإسلام النقي بينما تتحول غالبية المسلمين إلى دار كفر تستوجب المحاربة، وهو ما نعيشه اليوم.

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر