الجمعة 22 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10759

الجمعة 22 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10759

فليكن حلما

ما قصدته بالقدرة 'القاتلة' التي تمتلكها بيروت، هو هذه النزعة المتوحشة لمجابهة الذات كما الآخر، بشراسة لا تطيق الالتفاف ولا الكتمان.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/12/16، العدد: 10487، ص(17)]

عندما نشر مقال منذ أسبوعين بعنوان “رحابة اسمها بيروت” تلقيت رسائل تتساءل وبإلحاح حول حقيقة موقفي من الحركة التشكيلية في بيروت بشكل عام، وخلال هذه السنة بشكل خاص.

بعض الأشخاص اعتبروا أن في المقال شيئا من المواربة، وهروبا من موقف مُحدّد حيال النشاط التشكيلي في صالات العرض، وبعضهم وجد في هذا المقال إعلانا عن موقف سلبي من الحركة التشكيلية الناشطة والملونة من خلال اعتبارها تعكس “زيفا”، خاصة وأنني ذكرت في سياق حديثي عن المعارض أن بيروت مدينة “تقتل بشراستها وغربتها عن ذاتها وتقتل بنسيانها الفتاك وبذاكرتها المؤلمة وتقتل بجمالها وحيويتها، وبضيق نفسها وبرحابة صدرها”.

والحال أن ما قصدته بالقدرة “القاتلة” التي تمتلكها بيروت، هو هذه النزعة المتوحشة لمجابهة الذات كما الآخر، بشراسة لا تطيق الالتفاف ولا الكتمان.

من جهة ثانية كيف يمكنني اعتبار الحركة التشكيلية حركة كاذبة وزائفة تخفي فراغا أو تهالكا، ثم أواظب على مواكبة معظم، إن لم أقل، كل المعارض التشكيلية الجيدة منها والرديئة، لأختار منها ما يستحق الكتابة عنه، وهو وفير من دون أدنى شك؟

بعض الكتاب أو الصحافيين يستطيعون الكتابة عمّا لا يعجبهم أو لا يحرك فيهم أيّ شيء، وبعضهم يمكنهم كتابة المديح أو الذم وفق الطلب.

هذا ما يمكن اعتباره قمة احترافية أعترف بأنني أحسدهم عليها، إذ أنني لم أكتب يوما كلمة واحدة إلاّ وكانت نابعة من قناعاتي وإحساسي بالعمل الذي أمامي، فكيف يمكنني من هذا المنطلق أن أسهب بكلمات مزيفة طول السنة وعرضها، وأنا أشيد بالحركة التشكيلية في بيروت وبشراستها ضد التلاشي تحت وطأة المصائب على أنواعها، وأنا غير مقتنعة بأنها غير جديرة بتلك الكلمات؟

صحيح أن بيروت تعجّ بالتناقضات وتقدّم في أحيان كثيرة مناخا غير محبب نابع من متاعبها ومُكهرب بمصائبها وصراعاتها “الشخصية”، إذا صح التعبير، ولكن ذلك ساهم ولا يزال بإظهار الرغبة في الحلم، التي تحرك ناسها وتدفعهم أحيانا كثيرة خارج طاقتهم على مجاراة هذا أو ذلك الحلم، إمّا لأسباب مادية وإمّا لظروف أخرى تحد من إمكانية تحقيق الطموحات التي غالبا ما تجيء على شكل أحلام يقظة تغذي من قدرتهم على الاستمرار.

هنا أخص بالذكر الفنانين التشكيليين اللبنانيين الساكنين في بيروت، وكل فنان تشكيلي آخر وفد إليها من بعيد أو قريب.

لا، الحلم ليس بكذب ولا هو إخفاء ماكر لواقع مرّ، إنه سرّ البقاء والنجاة من الموت، وهو نابض وينبض في الحياة التشكيلية الفنية اللبنانية وكل من ساهم فيها.

عندما قال الفنان التشكيلي الهولندي فانسان فان غوغ “أحلم لوحاتي، وأرسم أحلامي” لم يقصد أنه في دوامة تتماثل معها البدايات مع النهايات، أو أنه يكذب على ذاته وعلى الآخرين وهو يمعن في التأرجح معلقا على حبال الأحلام والأماني خارج الواقع الجارح.

واقع تعايش معه الفنان بصعوبة حتى آخر يوم من حياته، وقصد أنه في خضم معاناته التي تعاظمت مع مرور السنوات، تعلق بحبال خاصية الحلم التي مكنته من صناعة وجود افتراضي مواز لحياته المأزومة. المفارقة كانت، أن أحلامه التي انطلق منها وإليها هي التي أمنت له أدنى شروط العيش كإنسان غير معني فقط بمأكله ومشربه وتناسله، كما أيّ كائن حيواني يعيش على وجه الأرض.

في كل مرة تصبح حالة الحلم هي الحقيقة الساطعة التي يُعرف بها أصحابها والتي بها ينفذون من ضآلة الوجود أو من الرضوخ إلى ظروف قاهرة، فتصبح هذه الحالة شكلا للحياة ومنطقها.

حياة ناجية من اليأس لا تنفك تغزل خيوطها المتينة جسورا تأخذ بها أبطالها إلى أبعد من الحلم، إلى رجاء تحقيقه، ثم تحقيقه بطريقة أو بأخرى.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر