الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

الخميس 29 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10676

عام ثقافي سعودي: الخطوط الحمراء ماتزال قائمة

  • عام من الثقافة في المملكة العربية السعودية، موزع بين الأنشطة الثقافية والإنتاجات في شتى صنوف الإبداع، وما يميز المشهد الثقافي السعودي هو طموح الفاعلين فيه إلى التأسيس لصورة مغايرة لتلك النظرة التقليدية السطحية التي يتبناها البعض عن هذا البلد الغني بالطاقات الخلاقة رغم أن الكثيرين يحصرونه في صورته المحافظة. لكن بين المنجز والطموح تقع مهمة المثقف الصعبة في أن يصل بين ما يطمح إليه والمنجز. “العرب” توقفت مع مجموعة من الأدباء والمثقفين والنقاد والسينمائيين السعوديين في محاولة لرصد المشهد الثقافي العربي السعودي من خلال رؤيتهم ومتابعاتهم ووعيهم الخاص.

العرب زكي الصدير [نُشر في 2016/12/16، العدد: 10487، ص(14)]

مشهد من فيلم 'بركة يقابل بركة'

هذا العام، لا يكاد المشهد الثقافي السعودي يقدم شيئاً مختلفاً عمّا قدّمه خلال الأعوام التي سبقته، غير أن مجموعة فعاليات ثقافية كانت هي الأبرز رغم طبيعتها الرسمية ذات البعد المؤسساتي الذي يلفّه الكثير من البيروقراطية والتصريحات الصادرة عن مسؤولين ثقافيين إما عن وعي ماضوي وإما عن حلم لا يمكن تحقيقه على الأرض.

ويمكننا أن نتلمّس أهم الأحداث الثقافية لهذا العام من خلال أبرز الفعاليات والأنشطة الثقافية مثل معارض الكتاب في الرياض وفي جدة (انطلق في 14 ديسمبر) ومؤتمر الأدباء والمثقفين السعوديين في الرياض الذي انعقد في نوفمبر الماضي، وأيضا من خلال أنشطة الأندية الأدبية والجمعيات الثقافية. بالإضافة إلى إستراتيجية الرؤية 2030 التي تأتي كأبرز قرار سياسي له متعلقاته الثقافية والتنموية.

بين الإنجاز والطموح

يقول الشاعر والإعلامي السعودي عبدالعزيز الشريف “لم تكن عربة الثقافة بحاجة إلى من يدفعها لتسير إلى مبتغاها، فهي حاضرة في وجدان المثقف، وإن لم يحركها وقوده الداخلي فلن تبرح مكانها، هذه هي القاعدة الأساسية التي ينطلق منها سؤال الثقافة المهم ليبلغ هدفه الأسمى وهو التغيير إلى ما هو أجمل”.

ويرى الشريف أن عام 2016 لم يكن بذلك العام الذي شهد تحولات ثقافية ترقى إلى أن نضعها في مدار التحولات المهمة وإنما -حسب رأيه- هي استنساخ لما قبلها في الإنتاج والفعاليات. لهذا فإن الرهان يظل على المثقف نفسه في قراءة المشهد أمامه وتكوين وعيه تجاه رؤية تجلي المستقبل وتنيره للأجيال القادمة.

يقول الشريف “وإذا نظرنا إلى عام 2016 سنرى السمة البارزة فيه أننا أمام جيل صاعد يقوى عاماً بعد عام، جيل ستكون له الريادة على المستوى الشعري والنثري، تلمست في نتاجه إبداعاً جادّا، يحاكي الحياة ليس

توجساً منها وإنما يناغيها بحميمية، مستشرفاً أفقها الأعلى، كاشفاً للقارئ عن جمالياتها”.

هذا العام لم يشهد تحولات ثقافية ترقى إلى أن نضعها في مدار التحولات المهمة وإنما هي استنساخ لما قبلها

ويضيف “لا فرق لدي في الإبداع إن كان صاحبه ذكراً أو أنثى، فالثقافة بشكل عام هي همٌّ إنساني، غير أن منتج المرأة اتسم بالجرأة الحميدة التي يجب على المبدعة أن تكتبها سواء في نصوصها الشعرية أو النثرية وإن كانت القصيدة النثرية هي المهيمنة على النتاج الشعري النسائي”.

ويذهب الشريف إلى أن هذا العام يحمد له تخلص الهم الثقافي من عقدة الماضي، لأن هناك حدثاً مهمّا اتخذ في شكل قرار سياسي، وهو فتح باب الأمل للأجيال القادمة؛ يقول “المفكرون يعرفون جيدا وقع هذه الرؤية على المجتمع، لعل رؤية 2030 وحدت الهدف لتحقيق الأماني، وما المثقف إلا فرد من أفراد المجتمع، خاصة أنها (رؤية 2030)

تنطوي على آمال سامية، وهو ما يتمناه المبدع في نتاجه، كما أن هناك أفقاً ثقافيا فتح في مؤتمر الأدباء الخامس بما احتوى عليه من قرارات مهمة، كانت مطلباً للأدباء والمثقفين، ونتمنى أن تنفذ هذه القرارات ولا تظل حبراً على ورق كما هي عادة الكثير من المؤتمرات التي تعقد.

ويبقى أن نقول إن الثقافة رغم مرور عام، لم تنتج ولم تبلور سؤالاً فكريّا عربيّا جامعاً، بل هو عام كما الأعوام التي مضت”.

غياب المشروع الثقافي

بدورها تقول الروائية السعودية زهراء الغانم في مطلع حديثها عن المشهد الثقافي إن “الثقافة هي شكل واع من أشكال المعرفة البشرية، وهي عنصر مهم في حياة أي مجتمع ومحور من محاور التنمية، كما أنها تهدف إلى ترسيخ أساسيات التفكير المنطقي، وتنشيط المبادرات الخلاقة، وتنمية الرصيد الثقافي، والمخزون الفكري والحضاري، الناتج عن إفرازات الحراك الاجتماعي والمعرفي.

ومن هذا المنطلق لا بد من تكريسها (الثقافة) بشكل حضاري، وجعلها جزءاً من التقليد اليومي، وعنصراً من النسيج الاجتماعي”.

وعلى هذا الأساس ترى الغانم أنه لا بد من العمل على تأسيس مجتمع مدني يشعر أفراده بأنهم معنيون بالمشهد الثقافي، وأنهم عنصر رئيسي من هذا النسيج المعقد، وقادرون على إحداث تغييرات أساسية في المجتمع.

وتضيف الغانم “لو استطلعنا المشهد الثقافي في الدول العربية، وأردنا أن نجيب عن الأسئلة التي تشغل بال المثقف، ومدى تحقيقه للمنجز منها في عالم الأدب والفن والإبداع، لوجدنا أن الإنتاج الثقافي دون المستوى، وعاجز عن تصوير المرحلة بكل ما فيها من تحولات كبيرة، وإن الإنتاج الأدبي مساحته محدودة، واهتمام الناس به قليل، وذلك لشعورهم بأن الأدب ليس جزءاً حقيقيّا من حياتهم اليومية. هذا بالإضافة إلى أن هناك عددا من المعوقات تعيق عملية البحث، أولها أن الثقافة العربية ثقافة وظيفية، وليست ثقافة بحث واكتشاف.

فهناك الرقابة التي تأتي من المجتمع قبل أن تأتي من السلطة، وبالتالي تحد من عملية التعبير الحقيقي، أو الإفصاح عن مكنونات المثقفين. ثانياً المثقف العربي الذي من المفترض أن يكون في جوهره ناقدا اجتماعيا، ويقوم بالتحليل والمساهمة في تجاوز العوائق لبلوغ مجتمع أكثر إنسانية، وأكثر عقلانية، ليس له دور في عملية التغيير، فهو يعيش على الهامش، ولو كان له بالفعل دور، لكان لديه مشروع واضح يستطيع من خلاله التأثير في الأحداث، وإحداث تغييرات وتوجهات ثقافية، والحد من حمام الدم المنتشر في معظم البلدان العربية”.

أما ثالث معوقات البحث ثقافيا فتراها الغانم في عدم وجود دراسات إحصائية حقيقية منظمة تقوم بعملية تمشيط وبحث حول المنجز من الثقافة، على جميع الأصعدة الثقافية، فلا توجد، كما تقول، دراسات إحصائية حول المنجز في أي مجال من المجالات الأدبية كالرواية، أو الشعر، أو الترجمة. وإذا سلمنا بأن هناك دراسات، فمن الواضح أنها قليلة بل نادرة.

الأفلام السعودية هذا العام، رغم قلة الدعم غير المتوفر لها تفوقت على الدراما التلفزيونية وحققت طفرة بارزة

وتلفت الروائية في حديثها إلى أبرز الظواهر الثقافية التي ظهرت على الساحة خلال هذه الفترة، ومنها ظاهرة السلفية الجهادية والتنظير لها. تقول “نلاحظ أن هذه الظاهرة استطاعت أن تكرس أسوأ مظاهر الثقافة، وبالتالي تراجعت تلك المشاعر التي ترسخ الشعور بالوطنية والقومية، وهي المشاعر التي سادت في فترة تاريخية طويلة من خلال وسائل ثقافية كالمسرح الذي كان في يوم من الأيام صوت الناس وصورتهم، لكنه الآن لا وجود له. كما أن معظم المنتج حول الوضع العام سواء في صناعة الأفلام أو الكتابة هو أقرب إلى التوثيق منه إلى العمل الأدبي الفني”.

وتختتم الغانم حديثها بالقول “في النهاية أقول إن هناك عددا من المنجزات الثقافية سواء في الرواية أو القصة القصيرة أو الشعر، وحتى في صناعة الأفلام والمسرح، كما أن هناك عددا من المجلات الثقافية المحدودة. لكن جميع هذه الأعمال غير محتضنة من قبل النقاد والجمعيات والأندية الثقافية، مما يؤدي إلى تشتتها وبعثرتها”.

الناقد والقاص السعودي عيد الناصر يرى أن المشهد الثقافي يمكن النظر إليه من عدة أوجه، أحدها هو الفعاليات الثقافية من معارض وندوات ومحاضرات وغيرها، والآخر يتعلق بحركة النشر والإصدار على مستوى الكتب والصحف والمجلات المتخصصة الورقية والإلكترونية.

يقول الناصر “حين ننظر إلى هذين الوجهين فإن صورة المشهد الثقافي السعودي بشكل عام خلال عام 2016 تكشف أنه يعاني حالة ركود وضعف. عند المقارنة بما حولنا، أي بدول الخليج العربية، نجد أن المملكة العربية السعودية قارة مترامية الأطراف، وعدد سكانها يتجاوز عدد سكان دول الخليج مجتمعين، ولكن على مستوى الأنشطة المتعلقة بالثقافة والفنون يميل الميزان إلى صالح الدول الصغيرة، بلا مقارنة”.

ويتابع الناصر “علينا أن نؤشر على المشكلات الرئيسية التي تعيق حركة التطور الثقافي والفني إن أردنا لهذه الحركة أن تنمو وتتطور، وتكون قادرة على المنافسة. من وجهة نظري، المشكلة الرئيسية لدينا هي غياب المشروع الثقافي والفني في بلادنا”.

ويضيف في ذات الشأن “هذا العام طرحت رؤية لمسار التطور المنشود حتى عام 2030، وحتى الآن فإن المفهوم السائد للجانب الفني والثقافي من هذه الرؤية هو الجانب الترفيهي من المعادلة الثقافية والفنية.

ولهذا بدأنا نقرأ ونسمع عن اتفاقيات مع شركات ترفيهية عالمية لتدشين مواقعها في بلادنا، وهذه خطوة جميلة ومشجعة على المستوى الاجتماعي.

ولكن، هل هذا هو التأويل الرسمي لمشاريع الرؤية أم أن هناك مشروعا ثقافيا وفنيا مصاحبا لهذه المشاريع الترفيهية؟ وما هو وجه وحدود هذا المشروع؟ لا أدري، ولم أسمع ممن هم حولي من مثقفين يعرفون ما هو المحتوى المنشود لهذه الثقافة.

الموقف السياسي، الطائفي، هو سيد الموقف في هذه الأيام، ويمكن اعتبار قضية الشاعر الشاب حيدر العبدالله مجرد مثال للحالة السلبية التي يعيشها الوسط الثقافي”.

عام السينما السعودية

يرى الممثل السعودي إبراهيم الحساوي أن هنالك انحسارا واضحا للدراما السعودية والخليجية هذا العام، ويستثني من ذلك سعوديا عملين، هما “سيلفي” و”حارة الشيخ”، وعلى المستوى الخليجي يستثني “ساق البامبو”، و”باب الريح”، ويؤكد على أن عام 2016 ليس للدراما وإنما هو عام صناع الأفلام السعودية والسينما السعودية بامتياز.

يقول الحساوي “بخلاف الملايين التي صرفت على إنتاج المسلسلات التلفزيونية فإن الأفلام السعودية هذا العام، وبقلة الدعم غير المتوفر لها تفوّقت على الدراما التلفزيونية شكلاً وضموناً حتى على المستوى الفني والإخراجي.

وبالعودة إلى الأفلام السعودية التي أنجزت في 2016، والجوائز التي حصدتها الأفلام الروائية والوثائقية في أكثر من محفل ومهرجان محليّا وخليجيّا وعربيّا وعلى المستوى الخارجي نجد أن هناك كماً هائلا من الأفلام. والجميل في هذا الكم أنه متساو مع الكيف الذي عرض”.

زهراء الغانم: الثقافة العربية ثقافة وظيفية، وليست ثقافة بحث واكتشاف

ويضيف الفنان “في الحقيقة، لم أشاهد جميع الأفلام التي أنتجت في 2016 لكني شاهدت أكثرها في مهرجان أفلام السعودية في دورته الثالثة، وفي مهرجان السينما الخليجية في أبوظبي، ومهرجان الشارقة السينمائي الدولي للطفل و‘أيام الفيلم السعودي‘ في لوس أنجلوس.

ولقد شاركت ممثلاً في بعض هذه الأفلام مثل فيلم ‘بسطة‘ للمخرجة هند الفهاد، وفيلم ‘أيقظني‘ للمخرجة ريم البيات، وفيلم “فضيلة أن تكون لا أحد” للمخرج بدر الحمود وفيلم ‘عود‘ للمخرج عبدالعزيز الشلاحي، وبحكم القرب والمشاهدة والمشاركة في قصص وشخصيات الفيلم السعودي.

شاهدت أيضا حالات إنسانية ونفسية وقضايا اجتماعية تؤديها شخصيات ليست افتراضية أو من نسج الخيال. بعض هذه الشخصيات حية تعيش معك لكنك لا تراها أو لا تنتبه لها؛ تلتقطها عين السينمائي بوضوح أكبر وهذا هو الجمال في السينما وهذا ما يقدمونه صناع الأفلام في السعودية الآن”.

ويتابع الحساوي “فيلم ‘بركة يقابل بركة‘ للمخرج محمود صباغ، وفيلم ‘وسطي‘ للمخرج علي الكلثمي، وفيلم ‘بسطة‘ للمخرجة هند الفهاد، وفيلم ‘عود‘ للمخرج عبدالعزيز الشلاحي، و”سمياتي بتدخل النار” للمخرج مشعل الجاسر، و”لا أستطيع تقبيل وجهي” للمخرج علي السمين، تعدّ جميعها أفلاماً صنعت بأياد وأعين سعودية شابة من الجنسين”.

والجدير بالذكر أن السينما السعودية سجلت هذا العام حضورها في مهرجان دبي السينمائي من خلال ستة أفلام صنعها مخرجون سعوديون هي: فيلم “فضيلة أن تكون لا أحد” للمخرج بدر الحمود صاحب التجارب السينمائية الناجحة “سكراب” و”مونوبولي” و”كتاب الرمال”. فيلم “أيقظني” للمخرجة ريم البيات، فيلم “البجعة العربية” للمخرج فهد الجودي، فيلم “مدينة تسمى ثيوقراطية” للمخرج جهاد الخطيب، فيلم “ثوب العرس” للمخرج محمد سلمان، وفيلم “300 كم” للمخرج محمد الهليل الذي حاز على جائزة مهرجان بيروت السينمائي عن فيلمه “ماطور”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر