الخميس 19 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10517

الخميس 19 يناير/كانون الثاني 2017، العدد: 10517

محور موسكو - طهران في حلب

معركة حلب كانت انتصارا لمحور طهران – موسكو، فالطرفان يريدان كسب جولة جديدة في مواجهة الغرب، وأرادا من خلال تلك المعركة فرض وقائع جديدة على الأرض تكون منطلقا للتفاوض مع الإدارة الأميركية الجديدة.

العرب إدريس الكنبوري [نُشر في 2016/12/17، العدد: 10488، ص(9)]

عندما ذهب قاسم سليماني، قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، إلى موسكو خريف العام الماضي، ليوصل إلى فلاديمير بوتين رسالة من طهران تطلب مشاركة روسيا في محاربة المعارضة السورية، لم تكن إيران تدرك أنها ستكون الكاسب الوحيد، كانت تعرف أن اللعبة في سوريا أكبر من حجمها، فالميليشيات الشيعية العراقية ومقاتلو حزب الله لم يكونوا كافين لربح الحرب، لذلك غضت الطرف عن انعدام الثقة بينها وبين موسكو مقابل انتصار عسكري على الأرض.

لم يكن من المتوقع أن يستعيد النظام السوري منطقة حلب الشرقية من دون توفير موسكو للغطاء العسكري الجوي بهدف تمكين قواته من السيطرة على المواقع التي كانت تسيطر عليها قوات المعارضة المسلحة. ومنذ بدء التدخل الروسي بات ميزان القوى يميل لصالح النظام، بفعل المقاتلين الذين جلبتهم إيران من الأصقاع الشيعية وخلقت منهم حزاما يحول دون سقوط نظام الأسد، ما خلق توازنا مختلا بينهم وبين مقاتلي المعارضة.

بالنسبة إلى إيران يتجاوز التدخل الروسي السقف السوري. إنها تدرك حاجة روسيا إلى التواجد بالمنطقة في مواجهة الولايات المتحدة وأوروبا، والخروج من عزلتها التي انكمشت داخلها من نهاية الحرب الباردة، وتسعى إلى فتح كوة تطل منها على العالم لتفرض موقعها من جديد أمام الغرب، ولن تجد طهران ورقة رابحة مثل الانقضاض على تلك الفرصة لدفع موسكو إلى الواجهة من أجل خلط الأوراق في مواجهة الأميركيين، وخلق واقع جديد تستطيع عبره موازنة الضغط الأميركي عليها، خاصة وأنها تعرف أن الاتفاق النووي الذي وقعته مع الجانبين الأميركي والأوروبي لم يقدم لها ما تريد، بل باتت تتخوف من احتمال الرجوع عنه، وهو ما تسرّب من تصريحات دونالد ترامب.

دفعت روسيا بما يزيد عن خمسة آلاف مقاتل في المستنقع السوري، وطيران حربي غير تقليدي في معركة إبادة حقيقية في حلب، ولم تكن تلك القوات بهدف هزيمة المعارضة المسلحة، ولكنها كانت لأهداف استعراضية أمام الأوروبيين والأميركيين للتذكير بأنها لا تزال قوة عظمى ويجب أن يوضع ذلك في الحسبان. لقد التقطت موسكو سريعا، رسالة التردد الأميركي والتلكؤ الأوروبي، فبعد تهديدات باراك أوباما، الذي لوّح بقصف القوات السورية في العام الماضي بعد استخدام النظام الأسلحة الكيمائية ضد مواطنيه، وبعد أن ركضت فرنسا الجريحة بفعل التفجيرات الإرهابية نحو المسرح السوري لتوجيه ضربات لتنظيم داعش، بدا وكأن كل شيء كان معدا سلفا ويسير في اتجاه تقوية النفوذ الإيراني ـ الروسي في الوضع السوري.

كانت معركة حلب انتصارا لمحور طهران – موسكو، فالطرفان معا يريدان كسب جولة جديدة في مواجهة الغرب، وأرادا من خلال تلك المعركة فرض وقائع جديدة تكون منطلقا للتفاوض مع الإدارة الأميركية الجديدة. وإذا كانت الحرب هي التعبير المكثف للسياسة فإن كلا من طهران وموسكو قد قامتا بالضربة الاستباقية لتسجيل نقاط لصالحهما قبل أن يبدأ الرئيس الأميركي الجديد مزاولة مهامه، في أفق ضمان أن أي حل سياسي لا بد أن يأخذ بعين الاعتبار موقفهما.

الخاسر الأكبر، بعد السوريين، ستكون أوروبا بدرجة أساسية. إن سقوط حلب بيد النظام السوري لن يكون نهاية الحرب، وكما أن معركة واحدة مهما كان حجمها، لا تصنع انتصارا، كذلك فإن المعركة في حلب سيكون لها ما بعدها. السيناريو الأكثر إيلاما لأوروبا سيتمثل في تدفق المزيد من اللاجئين إلى حدودها عبر تركيا، مع المخاطر المتمثلة في احتمال توظيف الجماعات المتشددة لتلك الورقة من أجل تجنيد مقاتلين. لقد عاد مقاتلو داعش إلى تدمر بعد أشهر من الانسحاب منها، والمرجح أن التنظيم سيكون أكثر استبسالا في الدفاع عن مواقعه، وهذا مثال لما يمكن أن يصبح عليه مقاتلو المعارضة السورية المسلحة بعد معركة حلب، حين يرون أنهم لم يكونوا يقاتلون قوات النظام السوري بقدر ما كانوا في مواجهة ميليشيات إيرانية، لذلك ليس من المستبعد أن تنقلب الطاولة على إيران المنتشية اليوم بانتصار تعتقد أنه خال من التكلفة.

كاتب مغربي

إدريس الكنبوري

:: مقالات أخرى لـ إدريس الكنبوري

إدريس الكنبوري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر