السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

السبت 24 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10673

حلب في رقبة أردوغان

ما جرى في سوريا تقع مسؤوليته على الرئيس رجب طيب أردوغان والإخوان المسلمين ولا أرى جدوى من أن يزج المشايخ السعوديون بلادهم في هذا المستنقع.

العرب أسعد البصري [نُشر في 2016/12/18، العدد: 10489، ص(5)]

الولايات المتحدة تتلكأ في بيع السلاح إلى السعودية، وتقول هناك 10 آلاف قتيل في اليمن والحرب استمرت لعامين وهناك مأساة إنسانية. يتحججون حتى لا يبيعوا سلاحا لأسباب سياسية خبيثة. وألمانيا من جهة أخرى من المفترض أن تعوّض وتبيع السلاح، تفاجئنا بتسريبات مفبركة إلى الإعلام. تكشف تقارير أمنية عن دعم مؤسسات سعودية وقطرية وكويتية لجماعة التبشير والدعوة الإسلامية السلفية في ألمانيا، ولبعض الجماعات الإسلامية المتطرفة.

يتهمون المملكة دون وجه حق بدعم التطرف. ورغم أن السفير السعودي بألمانيا قد نفى ذلك فإنهم يقولون هناك 2000 مسجد بألمانيا ساهمت السعودية ببنائها، والمملكة عرضت على ألمانيا بعد استقبالها 900 ألف لاجئ مسلم العام الماضي معظمهم من السوريين بناء مسجد لكل 200 لاجئ، وهذه طبعا مجرد أكاذيب.

المملكة تتعرض لهجوم من الشرق والغرب، في مواقع الصحف المكتوبة بالانكليزية يطالبون ترامب القيام بخطوة تاريخية والتخلي عن حماية السعودية، وفي الشرق يتعرض وزن السعودية الإسلامي للتحدي من العلمانيين والدواعش وإيران.

كان معروفا عن السعودية أنها تمثل الإسلام السني، وكان الشيخ سلمان العودة أو الشيخ العريفي وغيرهما عندما يصرّحون يتابعهم ملايين الناس فهؤلاء نجوم الصحوة والربيع العربي المشؤوم. الذي حدث هو بعد أن ضربت السعودية الإخوان في مصر، وزجّت بهؤلاء المشايخ في لجان تأديب، ومنعتهم من التصريح في السياسة والجهاد وسوريا، وأطلقت عليهم كتّابها وإعلامييها مثل الموهوب داوود الشريان، وفنانيها مثل الساخر المبدع ناصر القصبي انخفض عدد متابعيهم كثيرا، واتجه الشباب إلى إصدارات داعش أو الفكر الليبرالي.

اليوم وبعد هزيمة المسلحين في حلب عاد المشايخ الكرام للحديث في سوريا، ظنا منهم أنهم يمتلكون ذات التأثير القديم. الناس تتذكر سيلفي ناصر القصبي وتضحك لم يعد لهم مزاج لهذه الخطابات الحماسية.

السعودية كانت تمسك بالإعلام العربي وبالإسلام السني والمساجد. الآن أفلت الإعلام العربي فهناك ثورة التواصل الاجتماعي ودول عربية كثيرة عندها فضائيات وصحف وإعلام خاص، وتدخلت أميركا وروسيا بالإعلام العربي. الإسلام السني من جهته انفجر أيضا بين الإخوان وداعش والتصوف، ولم تعد السعودية قادرة على الهيمنة عليه. إضافة إلى ضغط الولايات المتحدة الذي أجبر المملكة على التخلي عن مكانتها الدينية ومدارسها حول العالم. هذا معناه أن الحال قد تغير كثيرا خلال عقد واحد فقط.

ما جرى في سوريا تقع مسؤوليته على الرئيس رجب طيب أردوغان والإخوان المسلمين ولا أرى جدوى من أن يزج المشايخ السعوديون بلادهم في هذا المستنقع.

أردوغان بعد فشل مشروعه الإخواني في مصر وتونس بقي يشتغل على سوريا، ولكنه عرف باكرا أن سوريا صارت في قلب الحلف الروسي، ثم رأى الأميركان يخططون مع الأكراد ويهددون أمن تركيا ووحدتها جوهريا. هنا اتصل به السياسي الإيراني المخضرم علي أكبر ولايتي واقترح التحالف مع إيران مقابل كبح الطموح الكردي، فهو تهديد مشترك للدولتين. ثم حدثت محاولة الانقلاب التركي الفاشلة التي اتهم فيها أميركا. هنا فكر أردوغان بسرعة بعد فشل الانقلاب. قام بتطبيع سريع مع إسرائيل ويخطط للتزود بالغاز الإسرائيلي عبر قبرص، بدلا من التعويل على غاز قطر وأنبوب عبر سوريا. وكذلك اعتذر لفلاديمير بوتين ودخل ضمن الحلف الروسي الإيراني. هنا ضمنت تركيا أمنها ومستقبلها فهي مع الجميع وضد الجميع.

السعودية كافحت ضد الإخوان المسلمين، وضد إيران، وضد داعش ومؤخرا خلاف مع دولة عربية كبيرة مثل مصر، وكذلك ظهر قانون جاستا الأميركي الذي يحمّل المملكة غرامات كبيرة جراء هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، ثم هناك الهجمات الإعلامية الغربية التي تربط المملكة بالإرهاب وثقافته. هذا إضافة إلى العبء الاقتصادي خصوصا مع انهيار أسعار النفط، والحرب على الحدود الجنوبية. السعودية دولة قوية ولكنها تدير أزمات ومشاكل ضخمة في وقت واحد.

ما حدث للسوريين من مآس هو مسؤولية أردوغان أولا والإعلام القطري التحريضي ثانيا، إضافة إلى اعترافهم المؤسف بتسليح المعارضة ضمن خطة تعاون مع المخابرات المركزية الأميركية.

بحسب المنظمات الدولية فإن عدد ضحايا سوريا 300 ألف قتيل، وتعداد الشعب القطري 300 ألف مواطن. فلنتخيل حجم المأساة هناك.

كمواطن عراقي أستغرب الحقيقة من بكاء إمام الحرم المكي الشيخ عبدالرحمن السديس على حلب. لم نسمع بكاءه على الموصل، ولم نسمع بكاءه على الفلوجة. هل الدموع تنهمر مع قاذفات السوخوي، ولا تنهمر مع قاذفات الـ“أف 35”. أيام الفلوجة بكى المثقفون الشيعة أطفالها، حتى ابن الطائفي وجيه عباس الشاب علي وجيه قام بدور مشرف ودعا إلى الرحمة بالناس وَقاد حملة إنسانية بينما لم نسمع للمشايخ صوتا؟ هل يمكن تجزئة المشاعر؟

كان أهل الفلوجة أيام الحصار والجوع يكتبون على ورق مقوّى من صناديق الخضار، عبارات حزينة يقولون للمشايخ أنقذونا نحن جائعون، وكان قاسيا ألاّ نرى تعاطفا منهم. بالعكس السيد السيستاني أرسل الوفود والمساعدات الإنسانية، والسيد مقتدى الصدر هدّد وتوعد المجرمين من الميليشيات حتى أن سرايا السلام اقتحمت بيت قائد ميليشيات في بغداد وقتلته لارتكابه جرائم في الفلوجة.

هذه حقائق نذكرها، كما نذكر موقف السيد خميس الخنجر حينها عندما أرسل الأموال لإطعام الكرام ومساعدتهم. لم نسمع من مشايخنا كلمة لأجل أطفالنا في الفلوجة ولا دمعة.رغم موقف المشايخ هذا، فسنة العراق حريصون على المملكة ونريد السعودية قوية وآمنة. ليس من مصلحة السعودية الدخول في أزمة سوريا والأفضل الانسحاب، فهذه مشكلة بدأها أردوغان والإخوان. والانتباه إلى المشكلة الجوهرية التي تهدد جميع المسلمين السنة في المنطقة.

بعض الدوائر الغربية ترى اليوم بأن الخطر الحقيقي يأتي من التطرف السني أكثر مما يأتي من عدوّتهم الافتراضية إيران. السعودية ليس عندها اتفاق دفاع مشترك مع الولايات المتحدة والخطر الذي يهددها اليوم داخلي وخارجي. الخطر الخارجي ليس كبيرا لأنه لا توجد قوة في المنطقة تستطيع هزيمة الجيش السعودي المدرّب تدريبا حديثاً، والمسلّح تسليحا مدمرا وقوامه 300 ألف مقاتل. الخطر الحقيقي الذي يهدد المملكة هو الإرهاب وعليها الحذر من الإخوان المسلمين وعدم رفعهم من قائمة الإرهاب والتصالح معهم. هذا خطر كبير.

بعد بكائنا في الفلوجة وفي حلب لا نريد أن نبكي على مدن عربية جديدة. كلنا نتمنى الخير للسعودية. لماذا ننجرّ خلف الإخوان المسلمين الذين دعوا العراقيين علنا إلى عدم مقاومة الجندي الأميركي المحتل، والذي يقبض ربع مليون دولار في السنة، بينما يحرّضون على قتل الجندي السوري، الذي يقبض ألفي دولار في السنة فقط، وعائلته جائعة، ولم يحتل بلادا أجنبية. ثم ماذا يريد أهل الفلوجة وأهل حلب؟ طرد المسلحين ورفع الحصار ونهاية الجوع. رحم الله الشاعر السوري محمد الماغوط حين قال:

“يا نظرات الحزن الطويلة

يا بقع الدم الصغيرة

أفيقي

إنني أراك هنا

على البيارق المنكّسة“.

كاتب عراقي

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر