الاحد 20 اغسطس/اب 2017، العدد: 10728

الاحد 20 اغسطس/اب 2017، العدد: 10728

أي رسالة إعلامية للمسلسلات التركية!

الدراما التركية حاضرة على القنوات الفضائية العربية منذ عام 2006 وتكثفت في الأعوام الأخيرة، كـ”توسونامي”، بل إن بعض القنوات سعت من قبيل المنافسة لإطلاق قناة متخصصة للدراما التركية.

العرب د. ياس خضير البياتي [نُشر في 2016/12/23، العدد: 10494، ص(18)]

بات من المؤكد قدرة الإعلام المرئي والمقروء على تشكيل اتجاهات الرأي وتغيير سلوك الأفراد، فكلما زادت مدة التعرض للبرامج المرئية كلما زادت إمكانية التأثر بمضامين ومحتوى هذه البرامج في الأفراد، ومن المؤكد أيضا أن فئة الأحداث والشباب هي الأكثر تلقيا وتأثرا بما تبثه القنوات الفضائية.

والملاحظ أن الفضائيات العربية تتنافس اليوم في ما بينها على استقطاب المسلسلات التركية ودبلجتها، ويتهافت الأحداث والشباب على مشاهدتها. وهو أمر يؤثر على سلوكهم نتيجة التفاعل بين مميزات المسلسلات المقدمة والخصائص الشخصية والنفسية للشاب الذي يشاهد هذه العروض. إذ يستمد الشاب جزءا من خبراته وثقافته منها. والمشكلة هنا تقبل الشباب لما يعرض لهم، بسبب عدم خبرتهم، فكلما قلت خبرتهم كلما صعب عليهم الفصل بين الواقع الحقيقي والخيال، وهذا هو الخطر الأكبر!

إن الواقع الفضائي الحالي يقول إن الدراما العربية في طريقها لتكون ضيفة شرف على الفضائيات العربية، نراها فقط في شهر رمضان، ثم تذهب في سبات عميق طوال 11 شهرا، مع الاحتفاء بالدراما التركية التي أصبحت الدراما الرسمية لهذه القنوات الفضائية. الدراما التركية حاضرة على القنوات الفضائية العربية منذ عام 2006 وتكثفت في الأعوام الأخيرة، كـ”توسونامي”، بل إن بعض القنوات سعت من قبيل المنافسة لإطلاق قناة متخصصة للدراما التركية، وخلال السنوات الخمس الماضية تمت دبلجة ما يقرب من 100 مسلسل تركي، وهو عدد كبير بالنسبة إلى متوسط عدد حلقات المسلسل الواحد الذي يتجاوز 100 حلقة غالبا.

إن نسبة مشاهدي المسلسلات التركية المدبلجة في تزايد مستمر ولا تختص بأعمار محددة أو جنس معين، وهو ما أكدته دراسات علمية وجدت أن الدراما التركية حققت أرقاما غير مسبوقة، فعلى سبيل المثال، بلغ عدد مشاهدي مسلسل “نور” 85 مليون مشاهد، و”سنوات الضياع” 67 مليون مشاهد و”حريم السلطان” أكثر من 100 مليون مشاهد. وهذا هو السبب الأساسي في تسابق الفضائيات العربية على الاستحواذ على أكبر عدد من هذه المسلسلات حتى قبل تصويرها، إضافة إلى الاعتماد على النجم، وهو ما انعكس على اختيار الموضوعات التي تقدم على الشاشة. وسبق لوزارة الثقافة والسياحة التركية أن أعلنت أن تصدير المسلسلات التركية يحقّق عوائد هائلة للدولة تقدّر بـ65 مليون دولار سنويا، وهي تُشاهد من قِبل حوالي 150 مليون شخص في نحو 76 دولة. أما واردات الشركات المنتجة، فتشكّل أضعاف المبالغ المذكورة.

وهناك أسباب أخرى اقتصادية ومالية تتحكم في بعض الفضائيات وهي انخفاض أسعار بيعها مقارنة بالأعمال العربية ذات الكلفة المرتفعة، دون النظر إلى معايير القيم والأخلاق التي تبث. كما أن هذه الفضائيات تهدف إلى الاستحواذ على أكبر عدد من الإعلانات التجارية. وهكذا يبدو أن مشكلة الفضائيات مرتبطة بعامل السوق التجاري، وثقافة “الجمهور عايز كده”، المعروف بثقافته الاستهلاكية، وعقدة الانبهار بالآخر، وبالذات الموضوعات المرتبطة بغرائزه ونزواته العاطفية والجنسية.

وهناك الآلاف ممن شدوا الرحال خلال مواسم الصيف إلى عاصمة الخلافة العثمانية لكي يظفروا برؤية بيوت أبطال المسلسلات، أو مشاهدة روب نوم البطلة ممددا على السرير، أو لمجرد المرور في فضاء ما زال عابقا بنسيم فرسان الدراما. زلزال حقيقي، أصاب الثقافة المحلية، ليس أقله الشعور العام بالحاجة إلى مدارس “محو الأمية العاطفية” لمجتمع ذكوري، تعود أن يستعرض فحولته أمام المرأة، وهاله أنها هي الأخرى تفتش عن الحبّ والعاطفة والرومانسية، وثمة صدمة معتادة تنتاب كل الأعمال الجديدة، وهي الخوف على “حصن” القيم الأخلاقية من الانهيار.

وتحذر الدراسات من آثار هذه الظاهرة السلبية على الأسرة والمجتمع نظرا لما تتسبب فيه من تفاقم حدة الخلافات الزوجية والطلاق، والبحث المحموم لدى فئة من الأزواج عن نموذج ومواصفات الطرف الآخر وفقا للمقاييس الجسدية والمادية التي تعرضها تلك المسلسلات. صحيح أن تأثير المسلسلات ينحصر خلال فترة عرضها، وبعدها يتناساها الناس مثلما حدث في المسلسلات المكسيكية، لكن الخوف يكمن في حالة تراكم هذه التأثيرات على المجتمع بتزايد عرضها على القنوات العربية. إن البديل هو إعادة النظر في السياسة الإعلامية وتوجهاتها في صناعة الترفيه والدراما من خلال مؤسسات قادرة على صياغة المحتوى الثقافي للمجتمع، تنطلق من أفكار ورؤى خاضعة للمكان الذي تم فيه الإنتاج، مع الانفتاح على ثقافة الآخر.

كاتب عراقي

د. ياس خضير البياتي

:: مقالات أخرى لـ د. ياس خضير البياتي

د. ياس خضير البياتي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر