الاثنين 25 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10762

الاثنين 25 سبتمبر/ايلول 2017، العدد: 10762

منافي الكتابة

لا يجب أن ننسى أن المنفى لم يكن مرحلة مؤقتة في تجارب غوغان وعزرا باوند وهمنجواي، كما لم يكن زمن عبور عند بول بولز ونابوكوف وجون جنيه، وإنما صيغة عيش وتفكير لا رجعة فيها.

العرب شرف الدين ماجدولين [نُشر في 2016/12/27، العدد: 10496، ص(15)]

من النتائج المباشرة للتراجيديا السورية اليوم، ظهور جيل جديد من “كتابات المنفى”، عبر أسماء واختيارات أسلوبية، وموضوعات شعرية وروائية وتشكيلية، مختلفة بشكل جذري عن تلك التي كانت سائدة في أدبيات المنفى، قبل عقدين من الزمن على الأقل، ما فتئت تكرس أبعاد “الانزياح” و”الخروج”، و”الوجود الهامشي،” بوصفها محصلات رمزية حاضرة على جهة اللزوم في أي عملية إبداع مجاوزة للسائد، تسعى إلى تخطي وضع الضرورة، قبل أن تكوّن فجوة ذهنية مسكونة بالسؤال بين الذات ومحيط انتمائها، وبين المبدع وأصوله.

صحيح أن آلة التشريد الجهنمي، والمنابذ القصية في الجغرافيا، والثقافة، والتفاصيل الحياتية، تنطوي على مقومات مصادرات وجودية مسترسلة، قد تحد مؤقتا من قدرة الكتابة على تجاوز الظرفي، والتغلغل إلى القاعدة المشتركة للمنفيين، إنما الأكيد أنها تمثل أفقا فارقا لوعي جديد بدور الكتابة في استنبات الأمل، ومقاومة الموت، وعيش الحرية. لهذا أتفهم هذه الغزارة غير المسبوقة في النصوص الصادرة عبر مواطن اللجوء، لسوريين وعراقيين ويمنيين وليبيين وأفارقة، سود وبيض، عرب وأكراد وأمازيغ، مسيحيين ومسلمين… فلا يجب أن ننسى أن المنفى لم يكن مرحلة مؤقتة في تجارب غوغان وعزرا باوند وهمنجواي، كما لم يكن زمن عبور عند بول بولز ونابوكوف وجون جنيه، وإنما صيغة عيش وتفكير لا رجعة فيها. فلولا إرغامات الرحيل لفاتهم الوقوف على عتبات “الهامشية العميقة” التي تحفرها المآسي الجماعية في أفق الوعي، وتحولها إلى قاعدة للإبداع في مختلف الثقافات.

لا أقصد بالهامشية هنا، عزيزي القارئ، وضع الكاتب اللاجئ، ولا حالته الاجتماعية بعد ترك الأهل والوطن، وإنما حال الكتابة في ظل تلك الشروط، والتي تجعلها بالضرورة متصلة بالهامش المتبقي للتنفس والفعل وإعلان العيش. بهذا المعنى تضحي “الهامشية” قدرا للمعنى الأصيل، ودليلا على أن النصوص الأكثر عمقا ونفاذا، احتمال لا ينسج ألفته بيسر، وإنما عبر التعاقب المتداعي في الزمن، وأن الأصوات الشعرية التي أدهشتنا والروايات التي ما فتئت تغرينا بمعاودة القراءة شيء لا ينتمي إلى لحظة الضوء العابرة، ولا إلى الامتلاء الصوري المبهر، المطبق بكثافته على وسائط الاتصال، وإنما هو قيمة تكتنز بكتابات منفيين هامشيين في الظاهر، بيد أنهم مركزيون بالنظر إلى محصلة الأثر الخالد في الوعي الجماعي وذاكرة المتخيل والثقافة.

قيمة لا يمتلك عنها الشاعر أو الروائي المنفي ملامح هاربة، لكنها لا تفتأ تتضح تدريجيا، وتتحول إلى رؤيا استشرافية جلية، يمتزج فيها وعي الكاتب بوعي أسلافه الغابرين، ويصير فيها صدى لأصوات تنبع من بعيد، وتصطخب بهزيم جدل خالد بين منفيين أسطوريين ومدارات هجراتهم الحسية والرمزية، ذاك كان حال عمر أميرلاي ومروان قصاب باشي ونوري الجراح… مثلما هو اليوم حال شهلا العجيلي وعاصم الباشا وإبراهيم الجبين، وغيرهم.

كاتب من المغرب

شرف الدين ماجدولين

:: مقالات أخرى لـ شرف الدين ماجدولين

:: اختيارات المحرر