الجمعة 23 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10672

الجمعة 23 يونيو/حزيران 2017، العدد: 10672

نجمة الشمال

لحلب تنوعها الثقافي والإثني الواسع ومركزها التجاري الهام، الذي جعل من التجارة جزءا من تكوين الشخصية الحلبية، نقلتها معها إلى القاهرة إضافة إلى الطباعة والصحافة.

العرب مفيد نجم [نُشر في 2016/12/28، العدد: 10497، ص(14)]

الكتابة عن حلب الآن مع نهاية العام ليست محاولة للتذكير بالقيمة التاريخية والحضارية والثقافية لمدينة جرى تدمير معالمها القديمة والحديثة، وتحويلها إلى مدينة أنقاض معجونة بدماء سكانها، بل هي محاولة لاكتشاف بعض علاماتها الفارقة، التي استمدتها من خصوصيتها الحضارية والثقافية والجغرافية، التي جعلت منها بوابة عبور، في اتجاهات شتى شمالا وجنوبا، وشرقا وغربا.

هذه الخصوصية التي ميزتها جعلت منها محط اعتزاز أهلها بها، ومصدر شهرتها بين المدن العربية، سواء على صعيد الفن والثقافة، أو على صعيد الزراعة والصناعة والمطبخ الحلبي التي اشتهرت بها، من ذلك صناعة المنسوجات وصابون الغار والرخام، إضافة إلى الفستق واللوز الحلبي والزعتر. إن هذه الخصوصية يكتشفها الزائر منذ بداية وصوله إليها، من خلال طرازها المعماري الخاص، وأبنيتها المصنوعة من الحجر الأبيض الذي يسمى باسمها وامتدادها الواسع. ومن يطالع وصف المدينة في كتب الرحالة والمؤرخين سيلاحظ أن هذا المظهر قد حافظت عليه المدينة منذ القديم وحتى الآن.

لحلب كتابها وفنانوها ومثقفوها الذين لا يغادرونها بحثا عن الشهرة في مدينة أخرى، ولها أحزابها في العهد الوطني بعد الاستقلال ممثلة بحزب الشعب، الذي كانت تنافس فيه الكتلة الوطنية لدمشق. ولحلب تنوعها الثقافي والإثني الواسع ومركزها التجاري الهام، الذي جعل من التجارة جزءا من تكوين الشخصية الحلبية، نقلتها معها إلى القاهرة إضافة إلى الطباعة والصحافة.

لكن أهم ما يميز حلب أنها مدينة الكواكبي صاحب كتاب طبائع الاستبداد، الذي عرّى طبائعه ووقف منه موقفا شجاعا ونبيلا، وأنها المدينة التي جاء منها سليمان الحلبي قاتل الجنرال الفرنسي كليبر. كذلك هي مدينة الطرب الأصيل والقدود الحلبية التي اشتهرت بها على امتداد العالم العربي، وصاحبة التاريخ الموسيقي العريق، الذي لم يكن وقفا على الرجال، بل ساهمت فيه النساء اللواتي كانت لهن مجالس الطرب الخاصة، وفرقهن الموسيقية التي تحيي الأعراس والسهرات والموالد. وفي حلب أقدم معهد موسيقي هو المعهد العربي الذي يعد أقدم معاهد الموسيقى في سوريا.

لهذا كله لم يكن غريبا أن تشيع شهرة مطربيها أمثال محمد خيري وصباح فخري وعمر البطش وصبحي مدلل. وقد ساهم انتشار الطرب والموسيقى في تكون جمهور ذواق ومتميز بحسه الموسيقي الأصيل. وحلب كانت الأولى في سوريا من حيث عدد صالات العرض السينمائية وجمهورها الكبير إضافة إلى عدد فنادقها وحدائقها. أما بالنسبة إلى المجتمع الحلبي المقبل على الحياة فله نمط حياته الخاص، وتقاليده النابعة من تنوع بيئاته الاجتماعية المتعددة، إضافة إلى ما عرف عنه من إقبال على الحياة والفرح.

كاتب من سوريا

مفيد نجم

:: مقالات أخرى لـ مفيد نجم

مفيد نجم

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر