السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

السبت 27 مايو/ايار 2017، العدد: 10645

ملائكة 2016

أطفال سوريا، الشهداء والأحياء على السواء، باتوا يمتلكون حكمة ما فوق إنسانية، تقول بكلمات الشاعر راينر ماريا ريلكه 'دع كل الأشياء تحدث لك/ الجمال والفظاعة/ ثابر على السير/ لا شعور هو شعور نهائي'.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2016/12/30، العدد: 10499، ص(17)]

بلغ اهتزاز قناعات، لازمتنا لعدة قرون، حدها الأقصى خلال وعند خواتيم هذه السنة، تحت أثر السيل من الصور الفوتوغرافية التي كشفت وجوه الآلاف من الأطفال السوريين الشهداء منهم، والجرحى، والمُتفجّعين، والمتحجرّي الدموع والمهجرّين عن دفء منازلهم.

فمن ناحية، وأمام وجوههم وأطيافهم النورانية لم تعد كلمة “الأبد” تعني الغامض والفريد، لم تعد تعني المُطلق البعيد، بل أصبحت مشهودة الملامح في جينات حاضر ملؤه الصور التي تحاصرنا بفظاعة صمتها، والتي تمكنت من شدة هولها أن تجتاز عتبة ما جرى على حصره بكلمة “حاضر” وجغرافية تجلياته، لتؤكد دون أي لبس أن الأبد، أصبح الآن.

في زمن يشكو فيه العالم المتحضر من قلة الولادات، تزهق أرواح الأطفال في الشرق الأوسط بشكل عام وفي سوريا بشكل خاص، فيكشف هذا الموت عن حقيقته المفتعلة والمُمنهجة ليشبه أكثر فأكثر تفعيلا لشعوذة عالمية ما ملؤها الحقد أكثر من كونه شيئا آخر، شيء آخر تافه كالقول إن هذا الموت هو نتيجة لصراعات سياسية بين الدول الكبرى.

أطفال سوريا تضجت في ملامحهم فلسفة قدرية لا يمكن من بعدها أن نرى “الأبد” أو “البعيد الآتي”، في أدنى تقدير، كما كنا نراه من قبل، إنهم يقولون في صورهم: لا زمن إلاّ الآن، لا حياة إلاّ هذه التي نعيشها، فعيشوها! ولا جغرافيا إلاّ جغرافية الآمن، لا بلاد أخرى لكم أنتم أيضا، فاسكنوها!

إنها فضيحة العمر في نظراتهم، إنه هول العيش في عالم معاصر قصّ آخر حباله مع الرحمة.

ومن ناحية أخرى لم تعد النظرة إلى الحاضر نظرة محصورة بما يحدث الآن، لأن الآن هو في فظاعة استمراريته، وفي استمرار فظاعته، أكثر ما يجعلنا نبدل من نظرتنا إلى ما يمكن تسميته بالحاضر المحصور ضمن حضور زمني ومكاني محدد، هو اللوحة الفنية التي بلغت اثنين وعشرين مترا طولا وعشرين مترا عرضا.

لوحة واظب على تنفيذها لمدة تفوق الأربعين يوما، أربعة فنانين سوريين وهم حسام السعدي، وحسام علّوم، وعبدالجليل الشققي وأحمد الطلي، حملت هذه اللوحة التي تعد أكبر لوحة في العالم عنوان “ملائكة سوريا” وجاءت تحت شعار “أنقذوا مستقبل سوريا”.

تكمن المفارقة الكبرى في أن هذا العمل أنجز سنة 2014، وهو كان يأمل بمستقبل أفضل لأطفال سوريا الذين ازدادوا تعاسة وموتا في السنوات التي تلت إنجاز وعرض هذا العمل الفني العملاق في بلجيكا، في نهار حمل هو الآخر مفارقة أخرى، لأنه كان “اليوم العالمي للطفولة”.

يصور العمل طفلة سورية تحمل ساعة دون عقارب، للدلالة على توقّف الزمن في سوريا، للطفلة جناحا ملاك مكبّلان بخارطة العالم، إشارة إلى صمت العالم بأجمعه تجاه المحنة السورية.

لوحة تشير إلى “الآن” وإلى كل ما تحمله هذه الكلمة من تفاهة مستجدة، لأنها محنة لم تعد محصورة زمنيا، بل توالدت في سنوات تلتها وتوسعت في مختلف بقاع الأرض الشريكة في سفك دمائهم بوحشية لم تعرف حدتها من قبل.

أسماء اثني عشر ألفا وأربع مئة وتسعين طفلا شهيدا رسمت ملامح وجه الطفلة، تم توثيق أسماء الأطفال الشهداء من قبل “مركز توثيق الانتهاكات في سوريا”، لم تعد لعملية التعداد العلمية أي قيمة، فالسيل الجارف من هيئات الموت لا يزال يتعاظم حتى بات هو أيضا خارج مساره الإحصائي.

أطفال سوريا، الشهداء والأحياء على السواء، باتوا يمتلكون حكمة ما فوق إنسانية، تقول بكلمات الشاعر راينر ماريا ريلكه “دع كل الأشياء تحدث لك/ الجمال والفظاعة/ ثابر على السير/ لا شعور هو شعور نهائي”.

يطيب لي أمام هؤلاء الأطفال ألا أراهم إلاّ كما رسمهم السوري مهند عرابي في لوحته “من دون عنوان”؛ طفل سوري ملائكي خلفه هيكل مدينة رمادية ينظر إليّ بعينين رقراقتين يسبح فيهما ماء قدسي من غير هذا العالم.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

ميموزا العراوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر