الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

الجمعة 15 ديسمبر/كانون الاول 2017، العدد: 10843

كلود مفرج ترسم بيروت بعيدا عن الذاكرة

  • قدمت الفنانة التشكيلية اللبنانية كلود مفرّج في صالة “آرت سبيس الحمرا” بالعاصمة اللبنانية بيروت معرضا تحت عنوان “بيروت، العالم” ضم 16 لوحة بأحجام مختلفة ومشغولة بالألوان الزيتية، تؤرخ من خلالها علاقتها الملتبسة مع مدينة بيروت، تأريخ ليس إلا سردا بصريا/شبحيّا رفعت الفنانة أعمدته الدخانية لتتذكر ما نسيته، ولكن فقط.. لتنسى أكثر.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2017/01/06، العدد: 10504، ص(17)]

أبنية أشبه بعلب كرتونية متصدعة

بيروت – تلقت التشكيلية اللبنانية كلود مفرّج التي عرض لها مؤخرا بصالة “آرت سبيس الحمرا” البيروتية معرض عنونته بـ”بيروت، العالم” دراستها الجامعية في علم الهندسة المدنية، وعملت في هذا المجال لفترة طويلة من الزمن قبل أن تدخل إلى عالم الفن التشكيلي.

فكان لهذه الخلفية الأكاديمية أثر كبير على عملها التشكيلي الذي شاهدناه في الصالة، إن من حيث تشكيل سياقات فراغية ما بين الأبنية المتراصة أو لناحية تأثيث الفراغ بواقعية تعكس الضجيج والتنافر بين الأشكال الهندسية التي تعج بها المدينة، وخاصة من ناحية الأبعاد والبراعة في تشبيك الهيئات الهندسية المختلفة فوق ما يشبه خارطة جغرافية/مدنية واسعة تحتضن تناقض مدينة اسمها بيروت.

ومع ذلك، لم يكن هذا التأثر بعلم الهندسة ما جعل عملها الفني الذي قدمته في صالة “آرت سبيس الحمرا” في أواخر سنة 2016، عملا يحلو التمعن فيه، بل إن النظرة المميزة التي ألقتها الفنانة على المدينة هي التي شكلت المفارقة الفنية الحاضرة بقوة في نصها التشكيلي.

تكشف لوحات كلود مفرّج عن تمتعها بنظرة طائر “نورسي” حلق فوق المدينة البحرية من على علو غير مرتفع، راصدا وناقلا جنونها وعاكسا فوضاها التي تكاد لا تفارقها في كل زاوية من زواياها، في قماش اللوحات.

ما من لوحة إلا ويشعر فيها المشاهد بحالة الفراق التي عشعشت في قلب الفنانة منذ زمن طويل، فراق بيروت المتكرر والعودة المتكررة إليها شكلا عند الفنانة هوة هائلة، حاولت على ما يبدو ردمها من خلال أعمالها المعروضة، ولكنها لم تتمكن من ذلك تماما، ليظهر نصها الفني مليئا بأسى بارد يريد أن يستحضر دفئا ما غادر ولم يعد.

هناك لوحة يجدر ذكرها في هذا السياق بعنوان “رحيل”، حيث تبدو فيها الأبنية أشبه بعلب كرتونية متصدعة تكاد أسطحها تطير بعيدا عن هياكلها.

يذكر أن الفنانة ولدت في العاصمة السنغالية داكار، حيث عاشت حتى بلغت العاشرة من عمرها، ثم عادت مع أهلها إلى بيروت، المدينة التي لم تكتشفها وتغرم بها فعلا إلا خلال سنواتها الجامعية، لكن الحرب ما لبثت أن اندلعت لتبدأ مسيرة المغادرات القصرية من بلد إلى بلد، من كندا إلى أستراليا، إلى الولايات المتحدة الأميركية، إلى باريس، فلندن، ثم كانت العودة إلى بيروت التي كانت المحطة الدائمة التي ربطت ما بين الرحلات إلى البلدان المذكورة آنفا.

ليست فقط كثرة السفر والعيش في بلدان مختلفة ما جعل من مهمة الاسترجاع العاطفي لمدينة بيروت بالنسبة إلى الفنانة مهمة صعبة، فبيروت ساهمت في جعل هذا الأمر أكثر صعوبة، حيث أنها مدينة دائمة التحول، ساعدت المشاريع الهندسية المتعاقبة في تغيير هيئتها سنة بعد سنة، كما أن الهجرات القصرية إليها والمتدفقة من مختلف الدول العربية المأزومة سرعت في تغيير الكثير من ملامحها.

وبالرغم من هذا الانقضاض المنقطع النظير والفوضى المتجددة يوما بعد يوم ظهرت بيروت في لوحات الفنانة في منتهى الهدوء، هدوء يشي بسوداوية ما، لم تستطع إلا أن تفصح عن ذاتها.

كلود مفرج ترسم بيروت بنظرة طائر "نورسي" حلق فوق المدينة من علو غير مرتفع، راصدا وناقلا جنونها إلى اللوحة

أسطح الأبنية، والشوارع المفضية إلى فراغات مجهولة والنوافذ المبهمة الملامح، أو الغائرة في سواد مطبق، والغياب التام للعنصر البشري في كافة اللوحات هي ملاحظات تؤكد ثقل الغياب الذي رسم حدوده بعيدا وعميقا في خيال الفنانة. بعض الأعمال تذكر بالأعمال التجريدية للفنان غيرهالد ريختر، حيث يسود التجريد البارد ليطمر الذاكرة تحت أنقاض حاضر لا هوية له، نذكر هنا على سبيل المثال اللوحة التي تحمل عنوان “صمت”.

تقول الفنانة “أحب بيروت بعمق، وفي الآن ذاته في هذه المدينة ما يكفي ليحرك مشاعر الأسى والحزن في داخلي، وإن كانت هذه الأخيرة في طريقها إلى التلاشي.. حياتي مليئة بالمفارقات”.

تبدو هذه الكلمات تختصر ببلاغة ما يجري في فضاء لوحات كلود مفرّج، فضاء يغلبه صمت مطبق لا يحرك من مفاعيله إلا في بضع اللوحات القليل من ومضات نور دافئ سكب ذاته على جدران الأبنية، ولونه بلون أشعة الشمس في الفترة التي تتلو العصر وتسبق فترة المغيب.

في هذه اللوحات، حيث يلعب الضوء وتمدده على جدران الأبنية دورا مهما، تبدو الفنانة وكأنها استحدثت “انطباعية” جديدة، حيث لا أهمية إلا للضوء الباهت الذي يسدل ستائره ليس لينير أو يبدل من شكل الأشياء، بل ليذكر بهشاشة الحياة في مدينة جنينية هي دائما تحب أن تعرض ذاتها لخطر الموت.

نذكر من اللوحات التي تعبر عن هذا الجوّ الذي ينزلق إلى الحنين ليستدرك ما يحصل له فيعود باردا لا يخلو من الكآبة، اللوحات التي تحمل عناوين “من ضوء”، و”الرحيل”، و”قرميد أحمر” و”عيون المدينة”.

تفصح الفنانة في جميع لوحاتها عن علاقة حب قديمة ربطتها بمدينة بيروت، مدينة استحالت في ذاكرتها منفى جديدا يحمل اسم “وطن”.

أما هذا الصمت الذي يسكن لوحاتها، فهو ليس إلا توصيفا واضحا لشكل العلاقة العاطفية التي ربطتها بالمدينة والتي حاولت استعادتها في معرض “بيروت، العالم”، إنه صمت فيه شحنات من حزن دفين لم يمنعه البتة من مواجهة الفنانة بهذا السؤال المحوري “كيف يمكن لهكذا حب عميق أن يصبح بهذه البرودة؟”.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر