الاثنين 29 مايو/ايار 2017، العدد: 10647

الاثنين 29 مايو/ايار 2017، العدد: 10647

تحية الضباب

هذا الاشتعال الضبابي لصور عن أمور وأشياء بالغة الواقعية نعرف بأنها آتية لا محالة، ولكننا غير متأكدين ولو بشكل ضئيل حول هيئاتها.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2017/01/06، العدد: 10504، ص(17)]

ما من بداية لسنة جديدة أفضل، إلاّ بمشاهد ووجوه أبت ألا تكون إلاّ ضبابية، فلم اللهاث خلف ظهور الصور الواضحة عند خواتيم السنة، واعتبار أنها وحدها الصور/المنارات التي تضيء جسور العبور إلى العام الجديد، بدلا من أن تظللها بغموض شيق يليق بكل البدايات؟

لا يليق بالحياة الوضوح، إذا كانت هذه الحياة خاصة بسكان منطقة الشرق الأوسط، الحياة هنا اشتعال يكره العري ويعشق التدثر بثياب ضبابية متقلبة لا نعرف متى تنقشع ومتى تزداد غموضا.

إنها اشتعال اعتدناه، وهو بالرغم من جوانبه السلبية يقينا من الصقيع حين تعاندنا الأحلام وتخذلنا الأماني.

هذا الاشتعال الضبابي لصور عن أمور وأشياء بالغة الواقعية نعرف بأنها آتية لا محالة، ولكننا غير متأكدين ولو بشكل ضئيل حول هيئاتها، قد نجد ما يذكرنا بها في لوحات تشكيلية كتلك اللوحات التي رسمها الفنان جوزيف تورنر في آخر مرحلة من حياته الفنية، حيث استخدم اللون الزيتي بشفافية بالغة تحاكي الضوء المشبع بالضباب.

الناظر إلى هذه اللوحات/المشاهد الواقعية لن يتمكن من تحديد إن كانت هذه السفن المرسومة مغادرة أو قادمة أو مستقرة على صفحة الماء البحري.

من الصعب تبيان الأشياء كالسفن أو المباني أو الجسور التي رسمها في هذه اللوحات لكثرة ما يغشاها الضباب الناحت لأشكالها والجاعل منها مقتطعات من رؤيا ناصعة بالرغم من ضبابيتها، جاءت المشاهد في لوحاته تلك غير قابلة للتأطير، ومنفلتة ومتحولة ومتجددة كدخان على كف جني ضاحك.

كان لهذا الفنان، وخاصة لهذه المرحلة المحددة من حياته الفنية، تأثير كبير على الفن الانطباعي الفرنسي، وخاصة على أعمال الفنان كلود مونيه في أواخر حياته الفنية أيضا، حين بدأت حاسة النظر تخونه وباتت الأشياء تتكشف عن حقائقها كاشتعال شبه صوفي، ومن أهم تلك اللوحات هي التي تحمل عناوين “الفندقية” و”مبنى البرلمان”.

المفارقة تكمن في أن الفنان جوزيف تورنر لم يأبه لتحذير الكثيرين حول استخدامه ملونات معينة وبكثرة كالقرمزي في لوحاته، على اعتبار أنه لون يخسر قوته سريعا مع مرور فترة قصيرة.

بالرغم من ملاحظة الفنان سرعة انطفاء هذا اللون في لوحاته، وبالرغم من اقتراح معاصريه من المهتمين بفنه بأن يستخدم مواد وألوانا أخرى شبيهة جدا بهذا اللون الذي عشق استخدامه لفترة طويلة من الزمن، لم يستمع تورنر للنصائح وصرح في أكثر من مناسبة بأنه غير مهتم بالحفاظ على ألوان المشاهد التي يرسمها مع مرور الزمن، ما يهمه هو جمالها في اللحظة التي يضعها على قماشة لوحاته.

بسبب ذلك بهتت كثيرا ألوان لوحاته الأكثر شهرة ودخلت في ضبابية “شيقة”، دفعت بالعلماء والضليعين بشؤون كيميائية الألوان وتفاعلها مع الزمن والعناصر الطبيعية إلى أن يتساءلوا ويبحثوا ويحاولوا استعادة ما كانت عليه اللوحات قبل أن تبهت ألوانها ولو افتراضيا، وذلك عبر استخدام تقنيات الكمبيوتر المتخصصة.

من هذا المنطلق بالتحديد، ما هي الضبابية؟ صفة سلبية؟ دليل على فساد أو انحلال الرؤيا أم هي ملهاة وجودية ما بين ما يريد أن يظهر حتى وهو في عزّ إصراره على التخفي؟

ثمة عنف كامن في لوحات تورنر تلك وفي لوحات مونيه، وكذلك في الملامح الغائمة للسنة الجديدة، إنه عنف الحقيقة المتحصنة بالضباب تحصن وجه من تحب ولم تره بعد ولم تلمسه إلاّ افتراضيا.

ثابر على التقدم نحوه وأنت ثابت، هكذا يكون الحنين إلى المستقبل لا يشبه الحنين إلى الماضي بأي شيء، إنه انتظار لم يكن يوما إلاّ انتظارا مشتعلا غارقا في حمم تخيلاته، وتجريديا بتجريدية وشعرية لوحات جوزيف تورنر ولوحات كلود مونيه.

ناقدة من لبنان

ميموزا العراوي

:: مقالات أخرى لـ ميموزا العراوي

:: اختيارات المحرر