الاربعاء 18 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10785

الاربعاء 18 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10785

أكي كوريسماكي عبقري السينما الفنلندية

أفلام كوريسماكي تتميز بالجمع بين طابع سينما المؤلف وهي سينما 'نخبوية' والفيلم الشعبي الذي يتميز بالبساطة ووضوح الرؤية والحميمية.

العرب أمير العمري [نُشر في 2017/01/08، العدد: 10506، ص(16)]

أكي كوريسماكي مخرج ينتمي للواقعية الشعرية

لم يحدث من قبل في تاريخ السينما أن تم تحويل فيلم روائي درامي إلى فيلم من أفلام التحريك (الكرتون)، لكن هذا ما حدث مؤخرا مع فيلم المخرج الفنلندي الشهير أكي كوريسماكي “رجل بلا ماض” الحائز على عدة جوائز دولية.

أما فيلم التحريك الذي اقتبسه الكاتب الفنلندي كاري كولهونن، المتخصص في هذا النوع من الأفلام، ليجعل الشخصية الرئيسية فيه أقرب ما تكون إلى شخصية “دونالد داك” أي ذكر البط دونالد، إحدى شخصيات عالم ديزني الشهيرة، فقد لقي ترحيبا من قبل كوريسماكي الذي يتميز بروح الدعابة والمرح رغم أنه معروف بأنه لا يقبل إجراء مقابلات صحفية معه.

وقد أبدى كوريسماكي رضاه عن النتيجة النهائية للفيلم الجديد الذي يحمل اسم “ذكر بط بلا ماض” وقد صمم رسومات الفيلم وشخوصه الكرتونية المصمم الإيطالي جيورجيو كافازانو. والطريف أن كافازانو كان قد نجح قبل في تحويل فيلم فيلليني الشهير “الطريق”” (لاسترادا- 1954) الذي قام ببطولته أنطوني كوين، وفيلم “كازابلانكا” (19422) الكلاسيكي الشهير للمخرج مايكل كورتيز، إلى فيلمين من أفلام التحريك.

تتميز أفلام كوريسماكي، بالجمع بين طابع سينما المؤلف، وهي سينما “نخبوية”، والفيلم الشعبي الذي يتميز بالبساطة ووضوح الرؤية والحميمية، كما تتعامل أفلامه مع المواضيع الإنسانية القريبة من قلوب المشاهدين.

“كوريسماكي” من مواليد 1957، وقد أخرج حتى الآن 28 فيلما طويلا وقصيرا، وفيلمه الأخير فيلم تسجيلي صوّره في الشيشان ويحمل عنوان “برزخ”.

نصف السينما

لم تكن مسيرة كوريسماكي في عالم السينما سهلة، بل شاقة، معقدة، ويرجع هذا جزئيا، إلى كونه كان يشق طريقه في بلد تكاد تكون بلا صناعة سينمائية حقيقية، وقد قيل إن كوريسماكي احتل بأفلامه منذ أن بدأ الإخراج في الثمانينات من القرن العشرين، نصف حجم الإنتاج السينمائي الفنلندي. وقبل أن يبدأ الإخراج انتقل كوريسماكي بين عدة مهن، من غسل الصحون، إلى توصيل الرسائل، إلى كتابة الانطباعات السريعة عن الأفلام لصحيفة محلية في هلسنكي. ثم استعان به شقيقه ليشاركه الإخراج فتعلم الكثير من أصول الحرفة. وفي 1983 قرر أن يعد ويخرج فيلما عن رواية ديستويفسكي “الجريمة والعقاب” ولكن بتركيز على أزمة البطل-القاتل النفسية، أي في إطار الفيلم الذي لا يتضمن أحداثا كبيرة معقدة، مع مسحة من التأمل الساخر ستميز أفلامه فيما بعد.

فيلم "رجل بلا ماض" (2002)، هو أنجح أفلام كوريسماكي، وقد حصل على الجائزة الكبرى التي تمنحها لجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي، وكان مرشحا بقوة لنيل "السعفة الذهبية"، كما حصل في العام التالي على جائزة الأوسكار كأحسن فيلم أجنبي. غير أن كوريسماكي قاطع حفل الأوسكار في مارس 2003، احتجاجا على الغزو الأمريكي للعراق. وكان هذا موقفه المعلن

أخرج كوريسماكي بعد ذلك ثلاثيته “ظلال في الفردوس” (1986)، و”أريل” (1988)، و”فتاة مصنع الثقاب” (1990) وتعتبر الثلاثية نوعا من الانتقام من مجتمع مدينة هلسنكي، ورثاء للطبقة العاملة في اغترابها وأزمتها.

أما الفيلم الذي نقل كوريسماكي إلى الساحة العالمية فهو فيلم “رعاة بقر ليننغراد يذهبون إلى أميركا” عام 1989، وفيه يصور من خلال كوميديا تعتمد على المواقف، وعلى الصمت أكثر من الكلام، كيف يقرر أفراد فرقة موسيقية روسية السفر إلى أميركا لتجربة حظهم هناك حيث يلتقون أحد الممولين من أبناء جلدتهم والذي يرسلهم إلى المكسيك، وهناك يفشلون فشلا ذريعا فيعودون للغناء في البارات للمهمشين في بلدات جنوب أميركا، بغنائهم الذي لا يفهمه أحد، ولكنهم مع ذلك يرقصون على نغماته.

كانت الكوميديا التي تقترب من السريالية، سواء في تصوير الوضع الغريب للفرقة الروسية في أميركا، أو في الملابس وتصفيفات الشعر وغيرها، تعتمد على تجسيد التناقض بين الثقافات، وتوحي رغم ذلك، بالقدرة على تجاوز الفروق والفهم الإنساني والتعايش. وقد لقي الفيلم الكثير من الإعجاب وأشاد به النقاد وقارنوا بين أسلوب كوريسماكي وأسلوب المخرج الأميركي جيم جارموش الذي بدأ نجمه يلمع في نفس الفترة مع فيلم “قطار الغموض” (1989). ولاشك أن هناك تشابها بين كوريسماكي وجارموش، في النزوع إلى السخرية السوداء، وتصوير شخصيات عادية تماما، تنبع غرابتها تحديدا من تلك المسحة “العادية”، تتميز بالصمت، والتحديق الطويل في الفراغ وكأنها توشك على البكاء، أو تقدم على العنف لكنها تتراجع، وحينما تتكلم يبدو ما تقوله أقرب إلى الغمغمة. كما تتميز سينما كوريسماكي بقدر من التجريد، والاهتمام بالصورة في طابعها البسيط دون حاجة إلى الزخرفة والحشو، مع طابع حزين يغلف معظم شخصيات أفلامه.

رجل بلا ماض

أما “رجل بلا ماض” (2002)، فهو أنجح أفلام كوريسماكي، وقد حصل على الجائزة الكبرى التي تمنحها لجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي، وكان مرشحا بقوة لنيل “السعفة الذهبية”، كما حصل في العام التالي على جائزة الأوسكار كأحسن فيلم أجنبي. غير أن كوريسماكي قاطع حفل الأوسكار في مارس 2003، احتجاجا على الغزو الأميركي للعراق. وكان هذا موقفه المعلن.

يصور الفيلم رجلا يرحل في قطار وهو يقبض على لفة في يده، ثم يصل إلى هلسنكي (المدينة السيئة في معظم أفلام كوريسماكي) يتمدد على مقعد خشبي في محطة القطارات ويستغرق في النوم، لكنه يتعرض لاعتداء من جانب بعض الغوغاء الذين يسرقون كل ما معه ويتركونه عاجزا عن الحركة، وفي المستشفى ينهض فجأة ويغادر بعد أن يكون قد فقد الذاكرة تماما، فأصبح لا يعرف من أين جاء، ولا من هو.

فيلم "رعاة بقر ليننغراد يذهبون إلى أميركا" يعتمد على الصمت أكثر من الكلام

يصادف الرجل أناسا يقيمون داخل حاويات في ضواحي المدينة.. إنهم أناس بلا مأوى.. يستأجرون تلك الحاويات من رجل يمتلك كلبا لا ينبح قط، يوافق على تأجير حاوية للرجل الغريب الذي لا يملك شيئا ويتعيش على ما يجود به عليه جيرانه الطيبون، ثم يتعرف على امرأة مثله في مؤسسة “جيش الخلاص” الخيرية التي تقدم المأوى والمأكل للمشردين. وتنشأ علاقة حب بينهما، لكنها أقرب إلى التعاطف والفهم الإنساني المشترك. تشي ملامح الرجل بحزن عميق، ربما يرجع إلى ماضيه الذي لا نعرف عنه شيئا، تشاركه المرأة مشاعره لكنها تهوى الرقص على نغمات موسيقى الروك بإيقاعاتها العنيفة.

رغم هذا الجو العبثي الغريب، يتميز الفيلم بقدرة كوريسماكي الخاصة المدهشة على استخراج الضحك من قلب المأساة، وتوليد لحظات المرح من قلب اليأس، فهو مخرج ذو نزعة إنسانية، وفيلمه هذا تعبير عن ثقته في الإنسان، في التضامن الإنساني، خاصة بين البسطاء. ستأتي امرأة تتعرف على الرجل باعتباره زوجها، ولكنها تقيم حاليا مع رجل آخر، ولا بد إذن أن يشتبك الرجلان بسبب المرأة، أو أن هذه هي قناعة كل منهما، لكنهما أثناء المواجهة في الخارج، يجدان صعوبة في القيام بالمهمة، ويقرران أن يتعايشا معا كصديقين.

في الميناء

ينتقل كوريسماكي في فيلم “الهافر” (2002) إلى فرنسا أي خارج “هلسنكي”، ويذهب إلى الميناء الفرنسي الشهير ولكن من دون أن يتخلى عن عالمه الأثير من الشخصيات الهامشية التي تشعر بالغربة والوحدة، والحاجة إلى التماسك والتضامن الإنساني، وتمتلك رغم قسوة ظروفها، القدرة على السخرية والمرح والتفاؤل.

يدور الفيلم بين الواقع والخيال، ما يحدث فعلا وما يمكن أن يحدث، أو ما نتمنى حدوثه، بين تعقيدات الواقع التي تتبدل تدريجيا مع اكتشاف أن البشر في معظمهم أنقياء وأوفياء، وأنهم قد يكونون على استعداد لتقديم ما ينتظر منهم وقت الشدة، بغضّ النظر عن حواجز الدين والجنس والهوية القومية، وبين قسوة الواقع الذي يمكن أن يؤدي إلى أن يفقد المرء حياته في لحظة عبثية دون سبب، أو أن يصبح ضحية الحواجز المفروضة بقسوة، والتي تحد من حرية البشر.

يعتمد الفيلم على سيناريو مكتوب جيدا، يجسد أزمة الفرد في المجتمع، ولكن عندما يكتشف أن تحققه يمكن أن يأتي من خلال توحده مع الآخرين، وعلى أداء تمثيلي محكوم، وأسلوب إخراج يعكس طريقة صاحبه في التعبير، لكنه يبدو أيضا متأثرا بأسلوب المخرجين الفرنسيين الذين يهيم كوريسماكي بأفلامهم من فترة الواقعية الشعرية في الثلاثينيات من القرن العشرين مثل أفلام المخرج مارسيل كارنيه بوجه خاص.

بطل الفيلم “ماكس”.. رجل في خريف العمر، مهاجر فنلندي حاصل على الجنسية الفرنسية يعيش مع زوجته المعتلة صحيا “أرليتي”، فهي مصابة بمرض خطير، لكنها تخفي الأمر عن زوجها وتتشبث بمعجزة الشفاء التي قد تأتي أو لا تأتي. و”ماكس” فنان كان في الماضي مرموقا ثم تدهور به الحال واضطر إلى العمل كماسحٍ للأحذية على أرصفة ميناء الهافر وأمام مقاهيه.

يسوق القدر إليه ذات يوم طفلا أفريقيًّا من المهاجرين غير الشرعيين الذين تقبض عليهم السلطات وتضعهم في معسكر كبير للمهاجرين تمهيدا لترحيلهم. هذا المعسكر المعروف الذي ذاع صيته عبر نشرات الأخبار يعرف باسم “الغابة”.

"رجل بلا ماض" أنجح أفلام كوريسماكي

الطفل “إدريسا” ينجح في الهرب من الشرطة، ويلجأ إلى منزل “ماكس” الذي يأويه ويمده بالرعاية ويخفيه عن عيون السلطات في غياب زوجته المريضة في المستشفى، وبمعاونة كلبته الأليفة الذكية “لايكا”، وهي الكلبة التي وصفت بأنها الكلبة الأكثر شهرة في السينما الأوروبية، فهي تظهر في معظم أفلام كوريسماكي وترتبط به.

ضابط الشرطة المخضرم، المفتش “مونيه” يشك في وجود الصبيّ في منزل “ماكس”، ويحاول استدراجه للاعتراف بالحقيقة. ولكن هذا الضابط قاسي الملامح، الجامد من الخارج سنكتشف قرب النهاية أنه يخفي قلبا شديد الطيبة لا يقل في طيبته عن جيران “ماكس” جميعا وأصدقائه الذين يساعدونه في الحصول على احتياجاته من المواد الغذائية ومنهم البقال الجزائري المتزوج من فرنسية، وعامل القمامة الصيني الأصل، وجارته الفرنسية الطيبة صاحبة المخبز التي تزوده يوميا بالخبز.

يبدأ الجميع في جمع التبرعات من أجل دفع تكاليف تهريب “إدريسا” على متن سفينة تعبر بحر المانش إلى الساحل البريطاني لكي يلتحق بأمه التي سبقته في التسلل إلى بلاد الإنكليز. وفي اللحظة التي توشك الخطة أن تنجح، يظهر المفتش “مونيه”، ولكن لكي يضمن تهريب الصبيّ بعيدا عن عيون رجال شرطة الهجرة.

وشأن أفلام كوريسماكي، يتميز الفيلم بالمزج بين الواقع والحلم، بحيث يجعلنا نتخيل أحيانا أننا بصدد مشاهدة أحد الأفلام الفرنسية من أربعينات القرن الماضي، التي تميزت بأسلوب “الفيلم-نوار”، أي بأجواء الغموض، والسرية، والتوتر، والظلال القاتمة، وفي أحيان أخرى، نشعر أننا نشاهد “كوميديا” تعتمد على المفارقات، لا على المبالغة في الأداء أو المفارقات المصطنعة.

وبين الأسلوبين تتلون المشهدية وتتدرج، من الإضاءة الناعمة ذات الألوان الواضحة: الأزرق والأحمر بوجه خاص، مع الانتقال في التصوير من الداخل إلى الخارج، وبالعكس، دون أن يفقد التتابع حيويته وهدوئه مع المحافظة على إيقاع رصين لا يخرج عن مساره، ولا يسقط في الترهل، ربما باستثناء المشهد الذي يستعين فيه “ماكس” بمغنّ اعتزل غناء أغاني البوب من جيل الستينات من القرن العشرين، ويقنعه بإقامة حفل محلي لجمع تبرعات تكفل مصاريف رحلة “إدريسا” إلى لندن.

الأداء كالعادة في أفلام “كوريسماكي”، محسوب بدقة، والحوار قصير ومختصر ولكنه يعبر عن كل شخصية بأقل الكلمات، كما يعبر حوار بطلنا “ماكس” عن خلفيته المثقفة مع لمسة فلسفية أيضا، ولا شك أن “ماكس” الذي يعبر عن فلسفة “كوريسماكي” نفسه، هو شخصية “مخترعة” أي سينمائية أساسا، وكذلك معظم الشخصيات التي تأتي كما أشرت، متآلفة، إيجابية، تسعى للخير، رغم ما يكمن في الواقع من قسوة شديدة.

ينهي “كوريسماكي” الفيلم بخروج زوجة “ماكس” من المستشفى بعد مثولها للشفاء من مرضها العضال، لكي تكون بمثابة المكافأة له على موقفه النبيل وتأكيدا على نوعية التفاؤل عند كوريسماكي الذي يرى يقول إنه لا يرى عادة أي ضرورة للتشاؤم عندما تصل الأمور إلى ذروة تأزمها، فالتشاؤم يصبح -كما يقول- نوعا من الترف الذي لا نقدر عليه!

ناقد سينمائي من مصر

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر