الخميس 23 فبراير/شباط 2017، العدد: 10552

الخميس 23 فبراير/شباط 2017، العدد: 10552

بعد داعش لا توجد طائفة أخرى في العراق

تحرير الموصل لن يكون موجعا كتحرير الفلوجة، لقد فهمنا اللعبة، أهلا وسهلا بجميع القوات التي تحررنا من التكفيريين والدواعش وربما تنفذ إيران مشروعها الحقيقي.

العرب أسعد البصري [نُشر في 2017/01/08، العدد: 10506، ص(6)]

إصدار جديد للدواعش بعنوان “مواكب النور” يظهر فيه شيوخ شيبة انتحاريون وأيضا معاقون بلا أقدام. الدواعش يدافعون عن هوية دينية ونحن ندافع عن الناس. لم تعد عند السنة مشكلة مع الروافض والكفار. إن حياة الأطفال أهم من الإيمان. داعش زجّ المسجد في المعركة، ويا لها من معركة.

انفصال تام عن الواقع حيث الأناشيد تعبر بهم إلى الخيال. ما هو هدفهم؟ جورج واشنطن هاجمه الجيش الإمبراطوري البريطاني وحين انكسر وقف أمام جنوده الهاربين صارخا “يا جنود الحرية” فجمعوا قواتهم وكروا على الجيش الإنكليزي وانتصروا.

كانت معركة استقلال وحرية، لكن الدواعش معركتهم مختلفة إنها في سبيل العقيدة والتطرف.

لقد كانت هناك حرب أهلية في لبنان ولكن كل طائفة يدعمها شعب معين. لم تفقد أي طائفة شرعيتها في الوجود. نحن بالمقابل عندنا داعش؛ الوحش الذي جمع روح المذهب السني بكبريائه وسؤدده وبلاغته وشجاعته وحوله إلى إرهاب دموي اجتمع ضده كل العالم. هذا معناه بالنسبة إلى سنة العراق ربما التشيع فقط هو الخلاص.

ليست هزيمة عادية بعد أن ربط داعش هزيمته ببقاء المذهب السني. البعض بدأ يتقبل الفكرة. فالفارق المذهبي هو مجرد المقبرة، فلماذا نعيش في وطن واحد ولا تجمعنا مقابر واحدة؟ لماذا نمتدح وطنية الجنرال عبدالوهاب الساعدي، الذي ينقذ الموصل من الدواعش اليوم، وحين نصل إلى موضوع “الجنة” نريد دخولها يدا بيد مع “الموحد” أبوبكر البغدادي، حيث الساعدي مجرد رافضي يكبه الله على منخريه في جهنم يوم القيامة.

تحرير الموصل لن يكون موجعا كتحرير الفلوجة، لقد فهمنا اللعبة. أهلا وسهلا بجميع القوات التي تحررنا من التكفيريين والدواعش. وربما تنفذ إيران مشروعها الحقيقي؛ إغلاق الأوقاف والمساجد والمدارس الدينية والمقابر السنية. جنائز الموصل والأنبار إلى النجف، نشاط تبشيري مركز، ربط المال بالتشيع. سيتم هذا من خلال مؤسسات خاصة مسؤولة عن الصحوة الجديدة.

لو داعش انتصر ماذا كان سيحدث؟ هدم كربلاء (المنجسة) والنجف (الأشرف) وإلغاء المذهب (الرافضي) أليس كذلك؟ طيب لو داعش انهزم ماذا سيحدث؟ ربما إلغاء المذهب السني في العراق. في إصدارهم الأخير “مواكب النور” تحدث الدواعش عن الآية “إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا” حرب عقائدية حيث المنتصر يحرق مساجد المهزوم ويدخله في دينه.

في الموصل اليوم معركة أسلاف وعظام ومقابر. المهزوم تغلق معابده ومقابره وترحل جنائز شعبه إلى مقابر المنتصرين. هذه معركة (أعماق) وليست معركة سطوح. هل تعتقدون أن داعش يمزح حين أطلق على مؤسستهم الإعلامية (أعماق)

في الموصل اليوم معركة أسلاف وعظام ومقابر. المهزوم تُغلق معابده ومقابره وتُرحّل جنائز شعبه إلى مقابر المنتصرين. هذه معركة “أعماق” وليست معركة سطوح. هل تعتقدون أن داعش يمزح حين أطلق على مؤسستهم الإعلامية “أعماق”.

منذ القرن الثامن عشر، يخوض فقهاء النجف كفاحا في سبيل تشيع القبائل العراقية لهدفين هما: خلق درع بشري لحماية العتبات المقدسة من الهجمات الوهابية. فما هو الحشد الشعبي؟ أليس الدرع البشري الذي بناه فقهاء النجف منذ القرن الثامن عشر لحماية العتبات المقدسة؟ وما هو داعش؟ أليس هجمة وهابية؟ والثاني حركة الجنائز الصراع الديني الجوهري في العراق منذ القرن الثامن والتاسع عشر في سبيل “حركة الجنائز”.

إيران لم تشيع سنة العراق في النهاية. الذي شيعهم العرب حين ساهموا بفقدانهم الحكم. لم يساعدوهم في محنتهم الطويلة بعد ذلك، بل كان إعلامهم غامضا ومراوغا. الذي شيعهم أردوغان حيث دمر سنة سوريا في سبيل أنبوب غاز وصفقة تجارية، الذي شيعهم وحشية الإرهاب واضطرارهم للتحول إلى صحوات. تحصيل حاصل بعد داعش لا وجود للثقافة السنية. ليس لأننا لا نريدها بل هي انتهت. لم يعد ممكنا لها الاستمرار. مرجعية النجف الأشرف التي أطلقت فتوى الجهاد سترث الأرض بمن عليها عن جدارة واستحقاق.

هذا ما تريده إيران. بعد داعش لا توجد طائفة أخرى. سنشهد عراقا شيعيا يقطنه سنة سابقون بلا دين، ولكنهم يعملون في الدولة ويخدمون البلاد. تماماً كما أصبح السيد أثيل النجيفي اليوم قائدا في الحشد الشعبي. إنها بداية التحول السياسي حيث الولاء للوطن هو ولاء للتشيع.

مذهبية الشيعة ذات خصوصية. فلكي تتحدث بالإسلام يجب أن تكون “إماما ومرجعا” عندك الملايين من الأتباع، والآلاف من التلاميذ، وتدير ثروات بالمليارات من الدولارات. لا يمكن شراؤك بالمال، ثم تجلس على كرسي النبي وتخبرنا ما هو الإسلام، بينما فقهاء السنة -من جهة أخرى- رجال دينهم موظفون كشفهم النفاق السياسي. لا يمكن مقارنتهم بالسيستاني وخامنئي. أحد أهم مظاهر الأزمة في الهوية السنية غياب الإمامة.

والأزمة الثانية سقوطهم بالإرهاب والتوحش وقطع الرؤوس، والأهم هنا في التحليل هو أن الشيعي يتبع المرجع، وليس مطلوبا منه أن يتظاهر بالتدين، وهنا رفع المسؤولية الروحية عن الفرد فصار القرار الإيماني مسؤولية الإمام وليس مسؤولية الفرد العادي، وهذا سبب تماسك الشيعة.

القضية المهمة الأخرى ما معنى سني؟ ما هو المقصود؟ نحن غير سعيدين بثقافتنا الأرثوذكسية، ونريد أن نفرض على الشيعة كراهية ثقافتهم وننسى أن التشيع ليس أرثوذكسيا، بل منظمة اجتماعية ومالية وعاطفة وولاء. عندما أصدر المرجع السيستاني فتوى الجهاد رأينا عدد المتطوعين للقتال؟ طبعا يمكنك دائما أن تقول لقد تطوعوا لأجل الراتب وسرقة الثلاجات، غير أن الحقيقة أن هؤلاء الجنود لم يتلقوا رواتبهم لعامين، ولم يكن مصيرهم واضحا من الناحية القانونية.

المدينة هي مظهر من مظاهر العقل. لماذا المدينة السنية في العراق تهدمت وقصفتها الطائرات، بينما المدينة الشيعية لم يتهدم فيها جدار واحد؟ إن نظرنا يعاني الكثير من العلل. فالتطرف السني هو الذي ضرب باريس ونيويورك ولندن. فكيف تتوقع أن يأتي دونالد ترامب ويقصف الشيعة بالصواريخ؟

لقد مارسنا المكر وحفرنا الحفر التي وقعنا فيها بالنهاية بدلا من الشيعة. لماذا عام 2012 أينما تلتفت هناك قصص وصور لعراقيات سنيات اغتصبهن جيش المالكي؟ لماذا اليوم لا يوجد اغتصاب؟ لقد كان شحنا طائفيا لتسليم العراق للدواعش. أعتقد بأن الصراع في طريقه إلى الحسم فكتابنا المقدس يقول “لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا” يعني السماء والأرض لو فيهما عدة آلهة لفسدتا.

ويقول الطبري لأن هذا الإله سيريد شيئا والآخر يريد نقيضه. في العراق إما القرار السياسي للوجدان الشيعي أو السني وإلا تفسد البلاد، لهذا نجد الرفض لأي تسوية سياسية من ذلك النوع المشبوه الذي تحدث عنه السيد عمار الحكيم مؤخرا.

المدينة هي مظهر من مظاهر العقل. لماذا المدينة السنية في العراق تهدمت وقصفتها الطائرات، بينما المدينة الشيعية لم يتهدم فيها جدار واحد

تخيل لو أنت صاحب محل وأخوك عامل عندك. أحيانا تعطيه بعض المال، وأحيانا تأخذه للعشاء في بيتك وهو فقير وقنوع. أخوك لا يعرف شيئا عن أرباح الدكان ولكنه يكنس المحل، ويحمل البضاعة على رأسه، وحين يحاول لص أن يسرق أو يعتدي فإنه أول مَن يسحب خنجره ويدافع عنك. مرت الأيام ولعبت قمارا وخسرت المحل وتجارتك.

بعد فترة أخوك فتح متجرا كبيرا وصرت عاملا عنده. سوف تسأل كم دخل المتجر ورأس ماله ولن تقنع بالراتب الذي تأخذه، ولن تدافع عن أخيك اذا هاجمه اللصوص لأنه إذا قُتِل ستنال البعض من الميراث. ثم إنك تحب أخاك صانعا عندك، ولا تحبه وقد أصبحت صانعا عنده. هذه العلاقة كيف ستنتهي؟

فقد جلبت الفئران لمتجر أخيك عمدا، وخربت تجارته، وطردت زبائنه. وكانت المتاجر المنافسة في السوق تعطيك العمولة مقابل تخريب تجارة أخيك وتطفيش زبائنه. ثم في يوم من الأيام تعب أخوك ولم يعد يعلم ما حدث له. فالمصائب تنهال عليه من كل مكان.

عندها قلت له يا أخي الحبيب؛ أنت لا تصلح للتجارة، أنا طول عمري تاجر وأنت صانع عندي. أعطني المحل وأنا أديره، وفعلا بعد شهرين ازدهرت تجارة المحل. ليس لأن أخاك أبرع منك، بل لأنك أنت مخلص وطيب. لا تطرد الزبائن، ولا تأخذ عمولة من المحلات المنافسة، ولا تحرض اللصوص ولا تجلب الفئران. هذه باختصار حكاية السني الذي كان حاكما وصار محكوما، والشيعي الذي كان محكوما وصار حاكما في العراق.

كاتب عراقي

أسعد البصري

:: مقالات أخرى لـ أسعد البصري

أسعد البصري

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر