الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

الاربعاء 24 مايو/ايار 2017، العدد: 10642

هزيمة الأيديولوجيا أمام الهوية

لم تخلق انتفاضة الشعب السوري السلمية لدى السلطة وعياً جديداً يحررها من هوية السلطة الطائفية، ويساعدها على شق طريق جديدة للحياة السياسية.

العرب أحمد برقاوي [نُشر في 2013/12/05، العدد: 9400، ص(8)]

أظهرت التجربة السلطوية في أكثر بلدان العالم العربي واقعةً مهمةً فاقعة تفرض علينا إعمال النظر وإعادة التفكير بعلاقة الوعي الجديد بالوعي القديم. هذه الواقعة هي هزيمة الأيديولوجيا الحداثوية في بلدان العراق وسوريا ولبنان ومصر وتونس… الخ أمام الهوية التاريخية. نحن اليوم أمام ظاهرة لم تخطر على ذهن ميشيل عفلق وصلاح البيطار وقسطنطين زريق ولا على ذهن التابعين لهم من أبناء بلاد الشام والعراق وبلدان عربية أخرى. ألا وهي ظاهرة تحول القومي العربي إلى طائفي.

سلطة البعث في العراق جعلت البعث سنياً في مواجهة وعي طائفي مضاد هو الوعي الشيعي المتكون في أحزاب وحركات وجماعات مسلحة.

وبعد أكثر من نصف قرن من الحركة السياسية العراقية القومية والليبرالية يحكم العراق الآن وعي شيعي متعصب. فانهزمت كل الأيديولوجيات وانتصرت الهويـــة الفــارقة في القدم- الانتماء الشيعي. لبنان البلد الطائفي سياسياً نمت في أحشائه كل الأيديولوجيات الحداثوية: السوري القومي والشيوعية بكل ألوانها والاشتراكية الناصرية، هو الآن سني- شيعي- ماروني. وهمّشت الحالة الأيديولوجية إلى الحد الذي ما عاد لها فاعلية في الممارسة.

سوريا البلد الذي أنتج الأيديولوجيا، خاصة الأيديولوجيا البعثية التي آلت السلطة إليها منذ عام 1963، وبدا أن ميشيل عفلق قد انتصر في كلٍ من سوريا والعراق، يعود اليوم إلى هويات طائفية.

النظام البعثي يستدعي حزب الله وعصابات أبو الفضل العباس وشيعة كل الأماكن ليواجه حركات مسلحة أكثرها ذات هوية إسلامية. لقد استأصل النظامان البعثيان: أيديولوجيا البعث من جذورها في أهم بلدين عربيين

في الشرق وأسسا لاستيقاظ الهويات المتصارعة. مصر الناصرية وجدت نفسها مرة أخرى بحاجة إلى حركة شعبية يدعمها الجيش، أو جيش راح يتوسل دعماً شعبياً لطرد الإخوان المسلمين الذين جاؤوا إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع. الدستورية العلمانية في تونس أخلت المكان لراشد الغنوشي وحركة النهضة. انهزمت الأيديولوجيات وانتصرت الهويات – حتى الآن-، فماذا حصل: السلطة هزمت روح التاريخ وسيرورته الموضوعية، وسوريا أسطع الأمثلة على ذلك.

قبل أن يضع عبد الناصر حداً للحركة السياسية السورية ونظامها البرلماني، كانت سوريا هي حزب الشعب والحزب الوطني والحزب الشيوعي وحزب البعث وحزب الإخوان المسلمين وصحف ومجلات وجمعيات ونواد ثقافية ونوادي رياضية، انتصر حينها رياض المالكي البعثي على مصطفى السباعي الإخواني. وصعد خالد بكداش الشيوعي إلى البرلمان وصار أكرم الحوراني البعثي رئيساً للمجلس النيابي.. وبدا أن الأيديولوجيات قد امتزجت بهويات محلية مع ضعف شديد للهوية الدينية.

لم تكن السلطة السورية ذات هوية دينية أصلاً ولا سلطة أيديولوجية رغم التوجهات السياسية ذات الرائحة الأيديولوجية. وبعد انقلاب 8 آذار 1963، وبعد أن صفى البعث خصومه السياسيين من الناصريين والقومين العرب، احتكر السلطة وأسس دولة ذات أيديولوجية منتشرة في كل الطوائف ودون استثناء وفي كل القوميات قليلة العدد بما فيها الأكراد وفي القرى والمدن، وكانت الفئات الوسطى من عسكر ومثقفين وحرفيين وفلاحين وموظفين وأستاذة ومحامين وأطباء…الخ هي الجسم الطبقي المكوّن للبعث آنذاك، لكن الصراع على السلطة الذي بدأ منذ إحكام السيطرة عليها داخل هذا الجسد الطبقي- الأيديولوجي أيقظ الهويات الطائفية أولاً، والمدنية والقروية ثانياً.

فالطابع الفلاحي للمؤسسة العسكرية البعثية المسيطرة ذات الهشاشة الأيديولوجية انعكس- في صراعها على السلطة- على الجانب المدني من الحزب، وراحت الولاءات تأخذ طابعاً طائفياً ومناطقياً.

وفي 16 تشرين من عام 1970 آلت السلطة إلى المؤسسة العسكرية ذات الأغلبية العلوية. وأسس حافظ الأسد لأول مرة في تاريخ سوريا لاحتكار الطائفة للجيش والأمن والذي أدى- هذا الإحتكار- إلى استيقاظ الهوية الطائفية ليس لدى الطائفة العلوية فقط، بل ولدى جميع الطوائف وخاصة لدى الأكثرية السنية التي نشأت وتطورت في ظل احتكار السلطة الفعلية والفاعلة من قبل مؤسسة عسكرية وأمنية طائفية بدورها.

لقد أفقد عمى القوة حافظ الأسد الحس التاريخي ومنطق الحياة، كان همه الوحيد المحافظة على السلطة حتى صار أسير البنية التي أشادها، ولهذا لم يشكل موته نهاية مرحلة لأنه شيد بنية سلطوية طائفية ما عادت مرتبطة بوجوده.

لقد ورث بشار الأسد بنية غير قابلة للإصلاح، وظنت قوى السلطة أن انتصارها على الإخوان المسلمين- الجانب المسلح منهم- تجربة قابلة للتكرار، وشأن المثقفين اليساريين السابقين والقوميين السابقين والبعثيين السابقين لن يكون مختلفاً عن شأنهم أيام ربيع دمشق.

لم تخلق انتفاضة الشعب السوري- بأكثريته- السلمية لدى السلطة وعياً جديداً يحررها من هوية السلطة الطائفية ويساعدها على شق طريق جديدة للحياة السياسية، فواجهت الأكثرية بالوعي الأسدي القديم دون أن تدرك تغير الأحوال. فإذا بالهوية المقنّعة بقشرة خارجية من القومية والحداثة تخلع عن وجهها كل قناع، وانهزمت الأيديولوجيا أمام هوية متأخرة، وبالمقابل أدى العنف هو الآخر لتراجع أيديولوجية المثقفين الحداثوية، وبروز الهوية السنية لدى أغلب الجماعات المسلحة.

فإذا بالأيديولوجية البعثية -اللباس الخارجي للنظام- تقع صريعة بالمطلق، بعد أن كانت في حال سبات تاريخي، لتستدعي الهوية الطائفية الهويات المشابهة لها من شيعة حزب الله وشيعة أبو الفضل العباس وشيعة المرشد الأعلى، وتعلن الهوية السنية عن نفسها في أسماء الألوية والكتائب والجيوش التي أصبحت واقعاً يستحيل القفز فوقه.

وإذا أيديولوجيا الديمقراطية والعدالة والحرية تتنحى جانباً وتضعف أمام هوية «شريعة الإسلام». لقد ورّط النظام سوريا في صراع الهويات، وصراع من هذا النوع مساره طويل ومعقد قبل أن يصل إلى نهاياته السعيدة.

كاتب فلسطيني وأستاذ الفلسفة في الجامعات السورية

أحمد برقاوي

:: مقالات أخرى لـ أحمد برقاوي

أحمد برقاوي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر