الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

الثلاثاء 22 اغسطس/اب 2017، العدد: 10730

قوى التحكم والنفوذ في علاقات بغداد بأنقرة

الشراكة التركية الروسية في سوريا لا تعجب إيران رغم أنها هي التي استنجدت بموسكو في العام الماضي لإنقاذها وإنقاذ نظام الأسد من السقوط، ولهذا فهي تسعى إلى تخريب أي عمل جدي للحل السوري من دون ضمان هيمنتها.

العرب د. ماجد السامرائي [نُشر في 2017/01/10، العدد: 10508، ص(9)]

ليس غريبا ما حصل من تراجع دراماتيكي عن التصعيد في تخريب العلاقات العراقية التركية وبدء صفحة جديدة لحل الأزمة بين البلدين عبر مبادرة تركيا بزيارة رئيس وزرائها بن علي يلدريم، ورضوخها لطلب بغداد بخروج قواتها من بعشيقة العراقية. فهناك معطيات جيوسياسية مستجدة مهمة في المنطقة، أهمها شراكة البلدين في محاربة تنظيم داعش، تفرض نفسها على مسؤولي البلدين لكي يتعاطيا مع المنطق الدبلوماسي في العلاقات الدولية خصوصاً بين بلدين جارين تربطهما علاقات تاريخية عميقة أعقبت خسارة الإمبراطورية العثمانية أمام الترتيبات التي صنعتها معاهدة سايكس بيكو وفقدان تركيا لجوهرة تاجها الموصل.

هاجس تركيا هو تأمين محيطها الأمني عبر حدودها مع العراق التي تشاركها معه، بغض النظر عن شكل النظام السياسي في البلدين، وكذلك تأمين حدودها مع سوريا، وتصاعد ارتباط قصة الأكراد بمصالح النفوذ بمرور الأيام.

سبق لصدام حسين أن حقق مقايضة الأمن بين بغداد وأنقرة ولم يشعر بأن إعطاء تركيا مجالا أمنياً لمطاردة حزب العمال الكردستاني داخل الأراضي العراقية إنقاص للسيادة العراقية، وتعقدت هذه القضية أكثر بعد تحويل أكراد العراق إلى ورقة ضغط على الحكم في بغداد دون غيرهم في كل من إيران وتركيا وسوريا، لكن صفقات صدام مع شاه إيران باتفاقية الجزائر عام 1975 أسقطت تلك الورقة مؤقتا، فيما تحول مسلحو أكراد تركيا إلى جيوب ضائعة في شعاب جبال مخمور وسنجار.

وجدد الأميركان ثقتهم بالأكراد ليكونوا الدعامات اللوجستية الأولى للقضاء على نظام صدام ولتحويل العراق من مركز قوة حيوي في المنطقة، إلى بلد ضعيف تعصف به مشكلات الصراعات الطائفية والعرقية، وخرج أكراد العراق من خانة الأوراق الثانوية للعبة الدولية إلى كيان يطمح بقيام دولة كردية وتحقيق الحلم القومي التاريخي، وتغيرت المعادلات الجيوسياسية بعد سنوات من تعقيدات الأزمة الكردية في تركيا، وكان لاجتياح عصابات داعش لثلث أرض العراق عام 2014 وقيام تحالف كبير بقيادة أميركا جعل من العراق منطقة الاشتباك العالمي مع داعش الذي تجمع في هذه البقعة الممتدة ما بين وسط وغربي العراق امتدادا نحو شمالي شرق سوريا، مقابل تطور مهم في النشاط المكثف لإيران لحسم مسألة نفوذها في كل من العراق وسوريا وبناء ممرها الأمني للبحر المتوسط.

ومع مرور الأيام نضج صراع القطبين الطائفيين الشيعي السني؛ إيران وحلفاؤها من الأحزاب الطائفية وميليشياتها داخل العراق من جهة، مقابل تنظيم داعش الذي حمل زورا راية الإسلام السني خصوصاً بعد أن احتل ثلثي أرض العراق وفق سيناريو لم تفك ألغازه لحد اليوم. تحركت تركيا بقوة لحماية مجالها الأمني داخل الأراضي العراقية، حيث سيطرت قوات حزب العمال الكردستاني على منافذها الحدودية الجنوبية في مدينة سنجار بدعم مباشر من حكومة بغداد وبنصائح إيرانية لتشكل شوكة في الخاصرة التركية تمنعها عن لعب أي دور مستقبلي مؤثر مع حلفائها العرب، الخليج والسعودية، لأن إيران لا تقبل شراكة في النفوذ الجديد، وساعدتها أميركا على تحقيق ذلك عبر إتعاب تركيا في سوريا من خلال دعم القوات الكردية عسكريا وسياسيا، لكي تنحسر نحو الداخل بتوقيت غريب في المحاولة الانقلابية التي وقف وراءها المعارض فتح الله غولن المحتضن أميركيا والذي يبدو أنه كان يمتلك أكثر من نصف الجيش التركي والمؤسسات المدنية التعليمية والتربوية والإعلامية.

كما كانت إيران تتوقع دخول تركيا في انهيارات سياسية متواصلة في محيطها الخارجي بعد حادثة إسقاط الطائرة الروسية أواسط عام 2016 وتأزم علاقاتها مع موسكو، فحثت طهران ميليشياتها الشيعية في العراق على تنظيم تعبئة طائفية إعلامية حادة لإجهاض العلاقات التركية العراقية، وخلط الأوراق عبر إثارة قصة “السيادة” العراقية في وجه تركيا وأطماعها في الموصل، واستثمار الأخطاء السياسية للرئيس التركي رجب أردوغان في تعنته بالتمسك بوجود معسكر صغير بمدينة بعشيقة العراقية والذي أقيم بتوافقات محلية عراقية لدعم المقاتلين العراقيين ضد داعش بالموصل (حرس نينوى).

وأمام هذا المناخ التعبوي الحاد ضد تركيا داخل العراق، تعزز الانقسام داخل الأوساط العراقية بين داعم للسياسة التركية من قبل أهل السنة من العرب الباحثين عن ظهير لهم بعد تخلي العرب عنهم، والتركمان ذوي الولاء لأمهم تركيا، وبين حاقد على تركيا (السنية) لتختفي الحقيقة التاريخية وسط هذه الأجواء من أن تركيا اليوم ليست معادية للعراق وهي لم تدخل معه حربا لثماني سنوات مثلما حصل مع إيران، بغض النظر عمن بدأها.

الجغرافيا السياسية والاقتصادية تفرض شروطها على العلاقات التركية العراقية، حيث يصل الميزان التجاري مع بغداد (11 مليار دولار) ومع كردستان (9 مليارات) فضلا عن وجود المئات من الشركات التركية العاملة في منطقة كردستان، وكذلك أنبوب النفط العراقي الاستراتيجي عبر الأراضي التركية، إضافة إلى فتح مسعود بارزاني الأبواب أمام الاستثمارات التركية المتعددة ومن بينها النفطية داخل الأراضي الكردية.

ويبدو أن هناك تقاسما غير مباشر بين طهران وأنقرة للمصالح التجارية، لإيران مناطق العراق الجنوبية وبغداد، ولتركيا مناطق كردستان. شكوى تركيا الدائمة من دعم بغداد لتواجد قوات حزب العمال الكردي التركي في سنجار، وقيامه بشن عمليات عسكرية داخل الأراضي التركية له ما يبرره، ألا يتذكر العراقيون وغيرهم كيف سعت طهران إلى تصفية منظمة مجاهدي خلق الإيرانية المتواجدة في العراق، رغم أن عناصرها تحولوا بعد العام 2003 إلى مجموعة لاجئين في معسكر بمنطقة ديالى العراقية، واستمرت عمليات مهاجمتهم عسكريا والتضييق على حكومة بغداد لإجبارهم على الخروج من العراق، رغم أنهم تحت رعاية أممية كلاجئين، لكنهم في نظر طهران “إرهابيون” وتم إجلاؤهم من العراق.

التطور المهم هو الاستدارة الدبلوماسية التركية بعد خيبتها من سياسة الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي دعم طهران ونفوذها على حساب تركيا، دفعت بها للتوجه نحو موسكو الناهضة من هزائمها السياسية والعسكرية، ودخولها بقوة في الساحة السورية مستثمرة الغياب الأميركي عن المنطقة، فمدت أنقرة يدها لفلاديمير بوتين ودخلا معا ملعب الحل العسكري والسياسي للأزمة السورية عبر وقف إطلاق النار في حلب والدعوة إلى اجتماع أستانة بعد التداعيات الإنسانية المريرة لهذه الأزمة في اقتلاع غالبية الشعب السوري من أرضه. روسيا لديها رؤيتها في الحل السوري لا تتوافق مع ما تشتغل عليه إيران عبر ميليشياتها في سوريا ولبنان والعراق لبناء منطقة طائفية “شيعية” متماسكة، وتحاول موسكو تصحيح الانطباع العام في المنطقة حول دمويتها وقتلها للشعب السوري، وما يقال عنها بأنها تدعم سياسة التوسع الطائفي الإيراني في المنطقة. فهي ضد الميليشيات الموالية لإيران في سوريا، بل وضعت فقرة في اتفاق حلب تدعو إلى رحيل ميليشيا حزب الله اللبناني وغيرها من الميليشيات من الأراضي السورية. كما أنها تسعى إلى إنشاء فيلق جديد داخل الجيش السوري بديل للميليشيات.

روسيا تجد نفسها فاعلة في سوريا كبديل لأميركا، وسهل ذلك على تركيا التحرك في ممرات جيوسياسية معقدة. الشراكة التركية الروسية في القضية السورية لا تعجب إيران رغم أنها هي التي استنجدت بموسكو في العام الماضي لإنقاذها وإنقاذ نظام بشار الأسد من السقوط، ولهذا فهي تسعى إلى تخريب أي عمل جدي للحل السوري من دون ضمان هيمنتها، من خلال أذرعها في العراق، لمنع وصول العلاقات التركية العراقية إلى مستوى متقدم. أما سماحها للسلطات العراقية أخيرا بالتخفيف من تلك الأزمة فهي محاولة ذكية من طهران تعتقد أنها من خلالها تحقق عزل تركيا عن محيط الخليج العربي وخاصة السعودية. ولهذا تراجعت لغة الخطاب الإعلامي لحكومة بغداد من التصعيد نحو المرونة، وقيام رئيس الوزراء حيدر العبادي يخطوات انفراجية مثل قراره دمج حرس نينوى، بقيادة أثيل النجيفي الذي دربته القوات التركية في بعشيقة، بالحشد الشعبي، وصرح بأن حكومته لا تقبل أن تستعمل الأراضي العراقية، وقد سبقه رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني بإنذاره مقاتلي حزب العمال الكردستاني بمغادرة مدينة سنجار، والإعلان عن اتفاق بين العبادي ويلدريم خلال زيارته لبغداد على انسحاب القوات التركية من بعشيقة.

التحولات التي تشهدها منطقة سوريا والعراق بعد اندحار عصابات داعش من أرض العراق، تفرض نفسها على ضرورة حصول انفراج بين الدول المطلة على كل من العراق وسوريا، الأحكام المؤثرة في المرحلة المقبلة هي التي تلعب دورها، حيث سيكون لكل طرف وزنه الفاعل في حل أزمة الموصل وما بعدها نهاية داعش في سوريا، ومن ثم يتحقق السيناريو الذي يكشف خارطة مصالح النفوذ في هذه المنطقة الحيوية من العالم.

كاتب عراقي

د. ماجد السامرائي

:: مقالات أخرى لـ د. ماجد السامرائي

د. ماجد السامرائي

الخبر على صفحات العرب

العالم الآن

:: اختيارات المحرر