الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

الثلاثاء 17 اكتوبر/تشرين الاول 2017، العدد: 10784

بالعتمة والألوان يا بيروت يا مدينة العجائب

  • "الجمال هو في عين الناظر" مقولة وجدت صداها المدوي في أعمال الفنان اللبناني بول كوبيليان التي قدمها مؤخرا في صالة “جانبين ربيز” البيروتية، من خلال 29 لوحة بأحجام مختلفة ومشغولة بمادة الأكريليك تعبّر عن نظرة الفنان لمدينة بيروت، وهي نظرة إيجابية تحاول في بعض اللوحات التركيز على الجوانب المضيئة من بيروت المدينة المزاجية التي تعتمل بالفوضى والضجيج، وفي لوحات أخرى تصر على تحويل المآسي الصغيرة إلى قصص ساخرة لا تخفي جوانبها المعتّمة.

العرب ميموزا العراوي [نُشر في 2017/01/13، العدد: 10511، ص(17)]

نظرة مشرقة على صورة قاتمة

بيروت – ليس من المحبذ أن تقام مقارنة ما بين فنان وآخر في سياق الحديث عمّا قدما من لوحات تشكيلية، ولكن ذلك يصبح من الصعب تفاديه عندما يتعلق الأمر بالفنان اللبناني بول كوبيليان في معرضه التشكيلي الأول بصالة “جانين ربيز” البيروتية وبالفنانة اللبنانية أيضا كلود مفرّج التي قدمت بدورها مؤخرا أعمالها في صالة بيروتية باسم “آرت سبيس”، وتناولت فيها مثل بول كوبيليان مدينة بيروت عبر نظرتها الخاصة جدا إليها.

ولعل المقارنة ستؤكد مرة أخرى ليس فقط على خصوصية نظرة الفنان وبصمته الشخصية، ولكن أيضا على “لاواقعية” الواقع الذي يحمل في عمق مستوياته وفي هيئته الخارجية على السواء أكثر من وجه ووجه.

ففي حين ألقت الفنانة كلود مفرّج نظرة مُشبّعة بأسى بارد على مدينة بيروت، وصورتها غارقة في بنفسجية يصعب التواصل الحميمي معها، قدمها الفنان بول كوبيليان، كمدينة تعجّ بألوانها وتنبض بحياة صاخبة لا يمكن إلا الانجذاب إليها بشكل عفوي، إن لم نقل بشكل غريزي.

تراص الأبنية موجود في النصين الفنيين المختلفين أشد الاختلاف، ولكن في حين يبدو التصاق الأبنية مع بعضها البعض في لوحات كوبيليان التصاقا حميميا يشد من أواصره الأسلاك الكهربائية التي تتأرجح ما بين الأسطح والنوافذ، تبدو المباني في لوحات مفرّج غارقة في عزلتها، وهي في أشد التصاقها مع الأبنية الأخرى.

وفي لوحات كوبيليان تبدو الضوضاء المُلونة تكمّ أفواه الضغط النفسي الذي يعيشه أهل بيروت، وتحوّله إلى مهرجان يُنسي كل صاحب همّ همّه.

وفي شبابيك مدينة بول كوبيليان الكثيرة والمُنتشرة في لوحاته لا ظلال ولا هوّات ولا مداخل إلى عوالم قاتمة القرار ومجهولة النيات المُبيتة، كما في لوحات مُفرج، حيث في لوحاته الشبابيك هي مُجرد شبابيك تُطل باهتمام ضئيل أو لا تطل البتة على معالم مدينة لا تأبه بما يحدث على أزقتها من توتر.

شبابيك الفنان بول كوبيليان شبابيك عادية جدا، لا تريد أن تحمل أكثر من معناها المُباشر، وهي حتما لا تريد أن تعكس ما يجري في داخل المنازل، ولا هي تبدو قادرة على تأمين فرص إطلالة جيّدة على مدينة تكثر فيها التفاصيل المتناقضة حتى التخمة.

ويصور الفنان في جميع لوحاته التي تميل بشكل كبير إلى الأسلوب البدائي أو الفطري في الفن، “النفسية” اللبنانية، إذا صحّ التعبير، هذا المزاج الخاص الذي عُرف به اللبنانيون والذي أساسه إما حرفة السير فوق الجمر وكأن شيئا لم يكن، وإما استخراج النكتة من قلب المأساة، فإن كان هناك شعب يدرك كيف يصبّ حمم سخريته السوداء على ذاته، فهو الشعب اللبناني، وهذا واضح جدا في لوحات الفنان، وقد لا نبالغ إذا قلنا إن في لوحاته ما يشبه قراءة اجتماعية لبنية النفسية اللبنانية وكيفية تصديها لأمور مُظلمة.

بول كوبيليان يصور بيروت كمدينة تعج بألوانها وتنبض بحياة صاخبة لا يمكن إلا الانجذاب إليها بشكل عفوي

أمور لم يستطع اللبنانيون حتى الآن تغيير ألوانها إلا عبر التجاهل أو الاستيعاب، فالرضوخ للضربات، الضربة تلو الأخرى، ولكن هذا لا يعني أن الفنان كوبيليان وضع المواطن اللبناني في موقع الضحية ولا صنّفه جلادا، ولكنه وضعه في المكانين في ذات الوقت.

أما مسرح هذا التناغم أو الالتباس بين الجلاد والضحية، فهو مدينة بيروت التي تلبس ألوانها الصارخة في اللوحات وكأنها تشتم تمزقاتها ضاحكة، وهي تقف أمام مرآة عبث حاولت حتى الآن اجتيازها فعليا، لتكتفي باجتيازها “سحريا” عبر السنوات التي تلت الحرب، تماما كما فعلت “أليس” في رواية “أليس في لاد العجائب”.

يُقيم الفنان ألوانه “الضوضائية” كما في اللوحات التي تحمل هذه العناوين “الأشرفية”، و”بيروت”، و”كرم الزيتون” و”السجادة” لإسكات أي احتمال لشعرية ناشئة. بيروت في لوحاته مدينة تكره الشعر، خلافا لحال بيروت في لوحة الفنانة كلود مفـرّج، الـتي تـغص بالشعـرية حتى التـخمة.

لا تضع لوحة بول كوبيليان المُشاهد، وشخوص لوحاته على السواء وجها لوجه مع ما يمكن تسميته بالأزمة اليومية المُكرسة فحسب، بل ستلفت نظر زائر المعرض للبعض من اللوحات التي ارتفع فيها منسوب السخرية.

نذكر منها “سيتيرن”، حيث يظهر شارع طويل تتقدمه شاحنة متوقفة في نصف الطريق لتنقل الماء إلى المنازل مُسببة الزحمة، في هذه اللوحة إشارة إلى انقطاع المياه المتكرر في بيروت، أما لوحة “كوستا برافا” فيظهر جبل من النفايات وبالقرب منه كرسي غادره صاحبه ليسبح في مياه البحر الموازية لهذا المكبّ. “الفصول الأربعة” لوحات أربع تظهر فيها مستوعبات نفايات، في خلفية هذه اللوحات ملصقات تجارية تتعلق بالأعراس ومواعيد حفلات السهر، أما لوحة “بعد العشاء” فهي عبارة عن فوضى عارمة اختلط فيها الحابل بالنابل لترمز إلى أكثر من عشاء وأقل من وطن.

وأخيرا هناك لوحة “يافطات”، لوحة ساخرة جدا تنتشر فيها اليافطات الإعلانية المُتعلقة بمساحيق التجميل وعمليات زرع الشعر وغيرها من الإعلانات ذات الصور المُضحكة المصفوفة على أطراف شارع يعج بسيارات تتابع سيرها وكأنها لا تدرك إلى أين المصير؟

ليست التقنية الفنية ما يلفت في لوحات بول كوبيليان بمعرضه الأول هذا، بقدر ما يلفت حضور هذا السؤال الذي يوجهه الفنان لذاته وإلى اللبنانين، إلى أين المصير؟

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر