الاربعاء 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10820

الاربعاء 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، العدد: 10820

امرأة تغوص في المجهول الزماني والمكاني في 'تمزق'

  • تبدو الرحلة إلى المجهول عنوانا جذابا للكثير من المخرجين وكتّاب السيناريو وهم ينسجون قصص الخيال العلمي ويغوصون في مجهول زماني ومكاني، ويتلمسون طرقا مختلفة في اتخاذ طابع المغامرة والمفاجأة التي تدفع نحو المزيد من التصعيد الدرامي وجذب جمهور المشاهدين، وفيلم “تمزق” لمخرجه ستيفن شينبيغ يغوص عميقا في هذا المجهول الغامض.

العرب طاهر علوان [نُشر في 2017/01/16، العدد: 10514، ص(16)]

رحلة مجهولة العواقب

لا شك أن فيلم الخيال العلمي يكتسب الكثير من عناصر قوته في البناء والسرد من خلال القدرة على إبهار المشاهدين، وتقديم خلاصات غير متوقعة تعيد إنتاج وتقديم المكان والإحساس بالزمن بشكل مبتكر ومتجدد، وفي فيلم “تمزق” يحاول المخرج ستيفن شينبيغ (إنتاج 2016) أن ينطلق من كل هذه المعطيات مجتمعة، ابتداء من دفع الشخصية إلى الواجهة وجعلها في مواجهة قدرها وهي تسير إلى المجهول الزماني والمكاني.

ريني (الممثلة نومي راباس)، هي أم لطفل وزوجة مطلّقة لا تبدو على وفاق مع طليقها ذي الشخصية الوسواسية، كما أنها بطبيعتها تنمو عندها مخاوف شتى منها هلعها البالغ من منظر العناكب، وفيما هي في طريقها لقضاء أعمالها يجري اختطافها من قبل مجهولين لتدخل في عالم مليء بالغرابة.

يتم تطويقها وربطها إلى السرير وبدء حقنها بمواد كيمائية غير معروفة، ويتناوب على ذلك أطباء وممرضون من دون أن تفلح عبر الصراخ والمقاومة من الوصول إلى أي نتيجة تذكر، ريني إذا في كابوس معقّد ومتشعّب وفي وسط دراما يشكّل المجهول أحد أهم ملامحها المميزة.

وينشغل الفريق الذي يشرف على احتجاز ريني بإثبات نظرية ما، تقول إنهم قادرون على الانطلاق من الأشياء التي تكرهها للسيطرة على الجهاز العصبي وعزله، بما في ذلك ملامسات عابرة، بدعوى أنها امتداد لتلك الأبحاث التي تُجرى، ومادامت ريني تكره العناكب فلابد من تسليط سيل منها تغمر وجهها، فيما هي تصرخ من دون أن يسمع صراخها أحد.

مسار السرد الفيلمي يتواصل على وفق هذه الخطوط مجتمعة، لكنّ محورها هو شخصية ريني التي من خلالها سنرى ونعيش واقعا مختلفا، أما على الصعيد المكاني فلم يكن هنالك استخدام مختلف يدل على نوع من الإنتاج الضخم، بقدر التركيز على الأماكن المغلقة الضيقة التي يتم فيها ترويع ريني وإجراء التجارب عليها، وبالطبع هي تسمع قصصا أخرى متشابهة لفتيات يخضعن لذات العلاج الخطير، ويراد منهن أن يتجردن أيضا عن مشاعرهن لكي ينسجمن مع المشروع المقترح.

ما بين الشرط المكاني والإحساس بالزمن تعيش ريني أزمتها الفردية، ولكنها ستستثمر أي فرصة لكي تهرب من المكان، وبالفعل تتمكن من ذلك لتندلع مواجهة جديدة مع سجّانيها، وهي تتنقل عبر ممرات التهوية في سقوف المبنى، وحيثما تنقّلت وجدت جمهورا من المحتجزين.

الغريب أنه في وسط هذا المسار الدرامي المتصاعد تقرر ريني فجأة أن تعود إلى سجّانيها بعد أن كانت قد خرجت وسط مصاعب لا حصر لها، لكنها ستعود بملء إرادتها لتواجه مصيرها وليتم ترويعها، لكي لا تكرر تلك الفعلة.

تبدو إشكالية السرد الفيلمي هي التي أضعفت البناء العام، فلا تحوّلات مهمة يمكن الإشارة إليها، وفي المقابل تم التركيز على شخصية ريني بوصفها هي التي تحرّك الأحداث.

يعيب الناقد السينمائي في صحيفة “الغارديان” البريطانية، بيتر براد شو، المسار الدرامي والشخصيات، ويعتبر الفيلم خليطا لفيلم العنف والجنس الذي يقع في مطبّات ومواقف غير مقنعة.

وفي نفس السياق تتباين ردود الأفعال حول الفيلم، وقد كُتبَ عنه في عدد من الصحف ومواقع الإنترنت، لكن ذلك لا يعني التفريط بالأداء المميز لريني التي تسعى وهي تخوض أزمتها الخاصة إلى إثبات وجودها وقدرتها على المناورة والخوض في صراعات لا تكاد تنتهي، فضلا عن منح الكثير من المشاهد قيمة تعبيرية مميزة ومختلفة.

المعالجة الفيلمية بنيت على نزعة المغامرة ومتعة الاكتشاف والغوص في المجهول الزماني والمكاني، وهو الذي أراد به المخرج الخروج عن النمطية وتقديم وفرة من الخيارات لدى الشخصية الرئيسة، وهي تشق طريقها في المجهول، وهي تكشف في كل مرّة عن حقيقة مختلفة.

في المقابل، لم يكن مقنعا ذلك التمدد الزماني الذي تم تكريسه بسلاسة من أجل الوصول بالأمور إلى خواتيمها بالكامل، والمتمثل في تحول ريني إلى كائن آخر مختلف في النهاية، حيث تتعرض إلى هجمة موحدة من المجموعة ذاتها التي سبق وأجرت التجارب عليها، وها هم يسعون لأخذ الابن، لكنها تنجح من خلال حيلة ذكية في تهريب ابنها الوحيد، وإلا كانوا احتجزوه وأجروا التجارب عليه هو أيضا.

سعى المخرج من خلال الشخصية المحورية الواحدة إلى صنع فيلم فيه الكثير من ملامح الاختلاف والغوص في المجهول الزماني والمكاني، مما أسقطه في عدم الانفتاح على حلول ومعالجات مختلفة.

:: اقرأ أيضاً

:: اختيارات المحرر